حديث الساعة إلهام سالم منصور ماذا تريد إسرائيل من السودان عبر بوابة حرب آل دقلو؟
ما يجري في السودان اليوم ليس حربًا عشوائية، ولا انفجارًا مفاجئًا لصراع داخلي، بل هو عدوان مركّب على الدولة السودانية، أُعدّ له بعناية، وتداخلت فيه المصالح الإسرائيلية مع أذرع إقليمية، واستُخدمت فيه مليشيات آل دقلو كأداة تنفيذ رخيصة في مشروع أكبر من مجرد انقلاب أو تمرد.
إسرائيل لا تنظر إلى السودان كدولة فقط، بل كـ عقدة جيوسياسية.
دولة تقع على واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم، تطل على البحر الأحمر، وتشكل عمقًا إفريقيًا عربيًا ظل تاريخيًا خارج السيطرة الصهيونية. ولهذا فإن أي سودان قوي، موحد، يمتلك جيشًا وطنيًا، وسيادة على قراره، يُعد تهديدًا مباشرًا لمعادلات الهيمنة التي تسعى إسرائيل لترسيخها في المنطقة.
من هنا، لم يكن خيار تفكيك السودان من الداخل خيارًا عشوائيًا، بل كان هو الطريق الأقل كلفة والأكثر فاعلية.
أولًا: لماذا المليشيات؟
لأن إسرائيل – ومعها حلفاؤها – تدرك أن الجيوش الوطنية لا تُشترى، ولا تُدار بالريموت كنترول.
الجيش السوداني، بعقيدته وتاريخه، يمثل حجر العثرة الأكبر أمام أي مشروع خارجي. لذلك كان لا بد من خلق قوة موازية بلا وطن، بلا عقيدة، بلا حدود، تُستخدم لضرب الجيش، لا لمواجهة عدو خارجي.
مليشيات آل دقلو لم تكن يومًا مشروع دولة، بل مشروع فوضى، تُغذّى بالمال، وتُحرّك بالوعود، وتُطلق لتدمير المجتمع قبل أن تدمر المؤسسات.
ثانيًا: الهدف الحقيقي… ليس السلطة بل الدولة
من يظن أن الحرب تدور حول الحكم فهو واهم.
الهدف لم يكن القصر، بل كسر فكرة الدولة نفسها:
ضرب النسيج الاجتماعي.
إشعال الفتن القبلية.
تهجير المواطنين قسرًا.
تحويل المدن إلى مناطق منكوبة.
إنهاك المواطن حتى يفقد ثقته في أي مشروع وطني.
هذه ليست نتائج جانبية للحرب، بل أهدافها الأساسية.
ثالثًا: البحر الأحمر… الجائزة الكبرى
لا يمكن قراءة حرب السودان بمعزل عن الصراع على البحر الأحمر.
إسرائيل تعتبر هذا الممر شريانًا لأمنها القومي، وتسعى منذ سنوات إلى تطويقه إما بالتحالفات أو بالفوضى. السودان المستقر يعني ساحلًا خارج السيطرة، أما السودان المنهك فهو فرصة ذهبية للنفوذ غير المباشر، تحت عناوين زائفة مثل “الأمن الإقليمي” و”حماية الملاحة”.
رابعًا: دور الوسطاء الإقليميين
إسرائيل لا تعمل وحدها، بل عبر وسطاء إقليميين يقومون بدور التمويل والتسليح والتغطية السياسية والإعلامية. هؤلاء الوسطاء لا يخوضون الحرب بأنفسهم، بل يديرونها من الخلف، بينما يدفع الشعب السوداني الثمن دمًا وتشريدًا وانهيارًا.
خامسًا: التوقيت… حين فشل السلاح بدأ العبث السياسي
بعد الفشل العسكري الذريع للمليشيات، بدأت مرحلة أخطر:
مرحلة الحرب الناعمة.
مظاهرات مُدارة.
حملات إعلامية مسمومة.
دعوات سلام انتقائية.
ضغط دولي لإعادة تدوير المليشيا سياسيًا.
كل ذلك ليس حبًا في السلام، بل محاولة لإنقاذ المشروع بعد سقوطه ميدانيًا.
سادسًا: لا سلام مع مشروع تدمير الدولة
السلام الحقيقي لا يُبنى مع أدوات الخراب.
وأي حديث عن تفاوض مع مليشيا وظيفية هو:
شرعنة للقتل.
مكافأة للخيانة.
طعنة في ظهر الدولة.
السلام لا يُفرض على الشعوب، ولا يُصاغ في غرف الاستخبارات.
هذه الحرب ليست حرب آل دقلو فقط،
بل حرب على سيادة السودان، ووعيه، ومستقبله.
إما دولة واحدة بجيش واحد وقرار واحد،
أو فوضى دائمة تُدار من الخارج.
والسودانيون اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة:
إما إسقاط المشروع بالكامل،
أو السماح له بإعادة إنتاج نفسه بأقنعة جديدة.
السودان ليس ساحة،
ولا غنيمة،
ولا دولة بلا صاحب.
والتاريخ لا يرحم المتواطئين،
ولا يعذر الصامتين.
الثلاثاء ٢٣ديسمبر ٢٠٢٥
مشاركة الخبر علي :
