*أبعاد__تحشيد الخليج… رسائل القوة وحدود الحرب* *بقلم: مصطفى بشير عيسى*
تعود منطقة الخليج مرة أخرى إلى واجهة التوتر الدولي مع تصاعد الحشود العسكرية الأمريكية بصورة غير مسبوقة، حاملةً معها أسئلة كبرى حول الأهداف الحقيقية لهذا الاستعراض العسكري الضخم، وحدود ما يمكن أن تؤول إليه المواجهة مع إيران.
التحشيد الأمريكي في الخليج لا يمكن فهمه باعتباره تحركًا دفاعيًا أو إجراءً لحماية متظاهرين أو حقوق إنسان، فالتجربة التاريخية تؤكد أن واشنطن لا تُسيّر حاملات الطائرات والقاذفات الاستراتيجية من أجل احتجاجات داخلية، بل تفعل ذلك حينما تريد فرض معادلة ردع جديدة، أو إعادة رسم خطوط الاشتباك في منطقة حساسة تمس أمن الطاقة والمصالح الاستراتيجية العالمية.
في جوهره، يمثل هذا التحشيد رسالة ضغط مركبة إلى طهران، مفادها أن الخيارات العسكرية مطروحة إذا فشلت أدوات العقوبات والضغوط السياسية في كبح البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، أو في تقليص النفوذ الإقليمي الذي بنته إيران خلال العقدين الماضيين في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
ومع ذلك، فإن الحديث عن ضربة عسكرية شاملة قادرة على تدمير القدرات الإيرانية أو إسقاط النظام يبقى أقرب إلى التهويل منه إلى الواقعية. فالبرنامج الصاروخي الإيراني منتشر ومحمي، والمنشآت النووية موزعة وتحت الأرض، وأي محاولة لتدميرها كليًا ستفتح أبواب حرب إقليمية واسعة لا ترغب بها واشنطن، ولا تحتمل كلفتها السياسية والاقتصادية.
الأرجح أن الولايات المتحدة تستخدم تلويح القوة كورقة تفاوض قصوى، تهدف من خلالها إلى فرض شروط جديدة على طاولة المفاوضات، وضمان أمن إسرائيل، واستعادة هيبتها الردعية التي تآكلت في أكثر من ساحة إقليمية.
أما إسرائيل، فهي اللاعب الأكثر قلقًا في هذه المعادلة. فبالنسبة لتل أبيب، لا يُعد البرنامج النووي الإيراني ملفًا تفاوضيًا، بل تهديدًا وجوديًا. لذلك، فإن أي تراجع أمريكي أو تسوية لا تلبي هواجسها قد يدفعها إلى توجيه ضربة أحادية، محسوبة لكنها خطيرة، قادرة على إشعال جبهة واسعة في المنطقة.
في المقابل، تدرك إيران أن المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة ستكون مكلفة، ولذلك من المرجح أن يأتي ردها – إن وقع التصعيد – عبر أدوات الحرب غير المباشرة: استهداف القواعد الأمريكية في الإقليم، تحريك الحلفاء، تهديد الملاحة الدولية، واستخدام أوراق الضغط الاقتصادية والأمنية، دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
خلاصة المشهد أن المنطقة تقف على حافة توتر مدروس، لا حرب كبرى حتى الآن، ولا سلام مستقر في الأفق. إنه صراع إرادات، تُدار فيه المعارك بالرسائل أكثر من الصواريخ، وبالضغط أكثر من المواجهة المباشرة… إلى أن يختل ميزان الحسابات
مشاركة الخبر علي :
