حديث الساعة إلهام سالم منصور *تفعيل الإدارات الأهلية ضرورة وطنية*
تمثّل الإدارات الأهلية إحدى الدعائم الكبرى التي لا يمكن تجاوزها في صياغة مستقبل السودان ما بعد الحرب، فهي ليست بديلاً عن الدولة، ولا خصمًا لمؤسساتها، بل شريكٌ أصيل في حفظ الاستقرار وبناء السلام المجتمعي. عبر تاريخ السودان الطويل، لعبت الإدارات الأهلية دورًا محوريًا في ضبط إيقاع المجتمعات، وحماية النسيج الاجتماعي، واحتواء الخلافات قبل أن تتحول إلى نزاعات دامية.
لقد منحتها المجتمعات مكانةً راسخة نابعة من الثقة والقبول، لا من سلطةٍ مفروضة، ولذلك ظلّ صوتها مسموعًا، وحكمتها محترمة، وقدرتها على فضّ النزاعات القبلية فاعلة ومؤثرة. فالعُرف الأهلي، حين يُحسن توظيفه، كان ولا يزال أداة سلام، وقاعدة عدل اجتماعي، ومصدر طمأنينة في البيئات التي غابت عنها الدولة أو ضعفت فيها الخدمات.
وفي مرحلة ما بعد الحرب، حيث تتعاظم التحديات وتتشابك الجراح، يصبح تفعيل الإدارات الأهلية ضرورة وطنية لا خيارًا مؤجلاً. فإعادة بناء السودان لن تتحقق بالقرارات المركزية وحدها، بل تحتاج إلى مصالحة حقيقية من القاعدة إلى القمة، تعالج آثار الحرب النفسية والاجتماعية، وتعيد الثقة بين المكوّنات المختلفة. وهنا تتقدم الإدارات الأهلية بخبرتها المتراكمة وقدرتها على جمع الناس حول كلمة سواء.
غير أن هذا الدور لا بد أن يُؤطّر ضمن رؤية حديثة تواكب الدولة المعاصرة، عبر تقنين واضح يحدد الصلاحيات والمسؤوليات، ويمنع التسييس أو الاستغلال، ويضمن تكاملها مع أجهزة الحكم المحلي، والعدالة، والأمن. كما أن تطوير الإدارات الأهلية يتطلب تجديد آليات عملها، وإشراك الشباب والنساء، وبناء قدراتها في مجالات الوساطة، وحل النزاعات، والتنمية المجتمعية.
إن السودان في أمسّ الحاجة إلى مشروع وطني جامع، تكون فيه الإدارات الأهلية رافعة للوحدة لا أداة للفرقة، وصمام أمان للسلم الاجتماعي، وجسرًا بين الدولة والمجتمع. فحين تتكامل الحكمة المتوارثة مع مؤسسات الدولة الحديثة، يمكن للوطن أن ينهض من ركام الحرب أكثر تماسكًا وقوة.
فالإدارات الأهلية ليست جزءًا من الماضي فحسب، بل مفتاح من مفاتيح المستقبل، إذا أحسنا قراءتها وتفعيلها في الوقت الصحيح.
الجمعة ٣٠يناير٢٠٢٦
مشاركة الخبر علي :
