هل نحن السودانيين شعب عفوي؟ بقلم/محمد التجاني عمر قش
أولاً، أرجو ألا يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم أن المقصود بالعفوية هو السذاجة، أو خفة العقل، أو الطيش، أو ما يُعرف عاميًّا بـ«العبط» كما يقول إخوتنا في مصر؛ حاشا وكلا. فالسودان بلد أنجب عظماء ومفكرين وعلماء وأدباء وكتّابًا وقادة وزعماء لا يُشق لهم غبار.
وإنما أقصد بالعفوية هنا بعض أنماط السلوك والتصرفات التي تصدر عن فئات من المجتمع السوداني، ولا سيما في دول المهجر والجوار، وعلى وجه الخصوص مصر، والمملكة العربية السعودية، وبعض دول الخليج العربي، التي استقبلت أعدادًا مقدّرة من السودانيين، سواء للعمل بموجب تصاريح إقامة أو بسبب ظروف الحرب الدائرة حاليًا في السودان.
هذه السلوكيات والممارسات قد يراها الفرد داخل الوطن عادية أو مألوفة، لكنها في دول المهجر لا تُقرأ بالمنظار نفسه. من ذلك، عدم احترام الخصوصية الاجتماعية والقانونية للبلدان المضيفة، سواء في الملبس، أو الالتزام بالنظام العام، أو احترام الشارع، أو ممارسة أنشطة لا تسمح بها تلك الدول حتى لمواطنيها.
ويُضاف إلى ذلك إقامة فعاليات هزيلة تسيء إلى سمعة الجاليات السودانية، في حين يظن منظموها أنها تعبير عن التراث والثقافة، بينما هي – من حيث لا يعلمون – تُقدَّم للآخرين على أنها عفوية غير لائقة بشعب عُرف تاريخيًا بحسن الخلق، والصدق، والأمانة، واحترام الذات قبل الغير، وهي السمعة التي صنعها أوائل المهاجرين السودانيين في المنطقة.
عموماً، يبدو أن الحال قد تغيّر كثيرًا في السنوات الأخيرة، وبدأنا نرى ونسمع ما لا ينسجم مع مكارم الأخلاق ولا مع القيم المستقرة. فكثيرًا ما يُشاهد شاب سوداني يسير في الشارع، بل وحتى في المساجد، بملابس المنزل، أو يُرى بعضهم يبيع مواد مثل الصعوط على قارعة الطريق، أو يتحلّق آخرون حول ستات الشاي في شوارع الأحياء الشعبية في كبريات المدن.
وكل ذلك لا يتوافق مع طبيعة البلدان المضيفة وأنظمتها. والأسوأ من ذلك أن محاولة النصح غالبًا ما تتحول إلى مشاجرة بلا تردد، وكأن النصيحة اعتداء لا واجب اجتماعي.
كما أن بعض الأخوات يأتين إلى المناسبات والأماكن العامة بغرض تسويق منتجات سودانية بأساليب يغلب عليها الارتجال والسذاجة، ما يسيء أكثر مما ينفع.
أما في البازارات، والمناسبات الاجتماعية، والأفراح السودانية، فقد أصبح واضحًا وجود قدر من السفه، والاختلاط غير المنضبط بين الشباب من الجنسين، وعفوية ممجوجة لا يقرّها الذوق العام بحال. والأسوأ أن هذه الظواهر بدأت تستقطب شبابًا من غير السودانيين، وقد تُفضي إلى علاقات مشبوهة، يستغلها ضعاف النفوس ومن يصطادون في المياه العكرة.
وحتى بعض طلاب المدارس والجامعات السودانية التي فُتحت لها مراكز في هذه الدول، يشتكي المراقبون من سلوكهم، ومن إحساس خاطئ بالتحرر، وغياب الالتزام بالمظهر العام من حيث الملبس، وتسريحات الشعر، والحركات الغريبة، وكأن لا رقيب عليهم من أب أو أم.
أمام هذا الوضع المائل، أصدرت السلطات في المملكة العربية السعودية تعميمًا شديد اللهجة، عززته سفارة السودان بالرياض بتوجيه صريح وصارم لكافة المقيمين، يقضي بالتوقف الفوري عن جميع الأنشطة غير المصرح بها من الجهات المختصة، وحل جميع الروابط والجمعيات، ومنع تكوين أي كيانات جديدة.
وسارت مصر في الاتجاه ذاته، فحظرت كل الأنشطة التي لا تتسق مع أنظمتها وقوانينها.
وخلاصة القول، فإن الواجب يحتم علينا – كجاليات مهاجرة – احترام تقاليد وعادات وأنظمة الدول المضيفة، وألا نتصرف وفق المثل السوداني: «بلدن ما بلدك، أمشي فيها عريان»، فهذا القول لا ينسجم مع سمعة الشعب السوداني ولا مع قيمه الراسخة. بل يجب مراعاة النظام العام حيثما كنا، لأن احترام القانون جزء من احترام الذات.
ولعل ما قاله أحد كبار الدبلوماسيين السودانيين يختصر الأمر كله:
إن علاقاتنا الخارجية مع دول الجوار أهم من مجاملة من لا يحترمون الأنظمة.
والكَيِّسُ من دان نفسه…
فهل نحن فعلا شعب عفوي؟
مشاركة الخبر علي :
