هل نحن السودانيين شعب عفوي؟ (2) بقلم /محمد التجاني عمر قش
كتبتُ مؤخرًا مقالًا تناول بعض أنماط السلوك السالب والتصرفات غير المنضبطة الصادرة عن فئات من أفراد الجاليات السودانية المقيمة، أو تلك التي دفعت بها الحرب إلى النزوح نحو دول الجوار، لا سيما مصر والمملكة العربية السعودية. وقد دفعت هذه السلوكيات بعض الدول المضيفة إلى إصدار تنبيهات ذات لهجة حاسمة، تمنع ممارسة الأنشطة الثقافية والفعاليات التي ينظمها أفراد من الجاليات السودانية، تحت طائلة الأنظمة والقوانين المعمول بها، مع استثناء الأنشطة المصرّح بها نظامًا.وقد لقي المقال تفاعلًا واسعًا وقبولًا لافتًا من القراء، الذين أفادوني بردود عبّرت عن استهجان تلك التصرفات المرفوضة. وحتى تعمّ الفائدة، نستعرض في هذه الحلقة الثانية جانبًا من تلك التفاعلات والآراء.
في هذا السياق، يرى الدكتور علي هاشم الكرّار أن الشعب السوداني، في عمومه، شعب محافظ، له عادات وتقاليد راسخة، تقوم على أصول ثابتة من الدين الحنيف وكريم الأخلاق والقيم. غير أننا – بحسب رأيه – شعب متسامح وعفوي إلى حدّ كبير، ويعود ذلك إلى طبيعة البلاد وتربتها التي يغلب عليها الطابع الصوفي، فضلًا عن ضعف الحسّ الأمني، ما يجعلنا أقل احترازًا وأكثر ميلًا لإزالة الحواجز مع الآخر بسهولة. ويضيف أن تبدّل الأحوال وخروج أعداد كبيرة من السودانيين للعمل أو النزوح كان يستوجب مراجعة بعض الصفات المرتبطة بحياة الداخل، إلا أن بعضهم فهم الغربة على أنها حرية مطلقة، ناسيًا أنه سفير لبلده وشعبه، فانخرط في سلوكيات لا تنسجم مع أنظمة وقوانين البلدان المضيفة، وهو أمر مؤسف بحق.ومن جانبه، ذهب الدكتور تاج الدين محمد عثمان إلى أن المشكلة لا تقف عند حدود العفوية، بل تمتد إلى الفوضوية وعدم احترام النظام، وأحيانًا تجاوز الحياء والأعراف. وضرب مثالًا ببعض الممارسات التي ظهرت في شوارع القاهرة، حيث تقوم بعض السودانيات برسم الحناء في الأماكن العامة بأدوات بدائية، في مشهد لا يراعي القوانين ولا الذوق العام.
أما الدكتور خالد البلولة، فقد عبّر بحدّة أكبر، معتبرًا أن بعض السودانيين لا يراعون خصوصية المجتمعات الأخرى، ولا يحترمون القوانين المنظمة للحياة العامة. في المقابل، أشاد البروفسور صديق عيسى بالمقال، واعتبره ملامسًا لواقع مؤلم، لكنه أشار إلى أن كثيرًا من تصرفات الجيل الحالي ليست عفوية بريئة، ولا يقبلها السوداني الكيّس الفطن، مؤكدًا الحاجة إلى نهج قيمي يكون فيه الدين أساسًا لتقويم الأجيال القادمة. كما أضاف أن بعض أنماط السلوك الدخيلة اكتسبها شباب الهجرة من مجتمعات مجاورة ومن ثقافات وفدت إلى السودان في فترات سابقة.وفي الاتجاه ذاته، علّق الأستاذ الصحفي عبد النبي شاهين بأن المقال لامس قضية اجتماعية خطيرة، إذا استمرت وتفاقمت فإنها ستؤدي حتمًا إلى تغيير نظرة الأشقاء في السعودية ومصر إلى الشعب السوداني بأكمله، وتهدم ما رسّخه الآباء المهاجرون الأوائل وجيلنا من قيم أخلاقية نبيلة، تعكس ثقافتنا وتاريخنا، وقبل ذلك ديننا الحنيف.
وأشار أحد القراء إلى أن الجاليات السودانية تُلام على غضّ الطرف عن بعض الظواهر السالبة التي بدأت منذ وقت مبكر، لا سيما في مدينة جدة، حين شرعت بعض السودانيات في بيع الأطعمة في مواقع عامة، وما صاحب ذلك من تجمعات وسلوكيات غير لائقة، دون أن تجد ردعًا من الجالية أو القنصلية في حينه، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لتفشي هذه الممارسات. بل تعدّى الأمر – بحسب ذات القارئ – إلى دخول بعض المنحرفات بعقود زواج صورية بغرض ممارسة الرذيلة من أجل الكسب المادي، في مشهد يتنافى مع القيم والأخلاق، إذ إن الحرة – كما قيل – تجوع ولا تأكل بثديها.
وختامًا، فإن هذه المقالات لا تهدف إلى التشهير بالسودانيين في الخارج، ولا إلى تشويه سمعة هذا الشعب الطيب الأصيل، حاشا لله، وإنما تنطلق من واجب الإصلاح والتنبيه، وتسعى إلى لفت انتباه الجهات المسؤولة عن شؤون السودانيين بالخارج إلى مظاهر سالبة لا تليق بمجتمعنا، لا في الداخل ولا في المهجر. فنحن شعب محافظ، له قيم راسخة وأخلاق معروفة، غير أن بعض ضعاف النفوس قد يظنون أن عبور الحدود يمنحهم تحررًا زائفًا، وهو في حقيقته سوء تصرف، وخلل في التقدير، وعدم احترام للذات وللنظام والقانون وكريم الأخلاق.فهل نحن فعلًا شعب عفوي… أم أن المشكلة أعمق من ذلك بكثير؟
مشاركة الخبر علي :
