*السودان ينجو… وإثيوبيا وحفتر يحترقان بنار الارتهان* *مصطفى بشير عيسى*
لم يكن تحذير السودان لإثيوبيا مجرد قراءة سياسية أو تخوفات نظرية، بل إنذارًا صريحًا من عواقب الارتماء في أحضان المشروع الإماراتي التخريبي. قلنا بوضوح إن الاستجابة لأجندة أبوظبي وفتح المسارات لزعزعة أمن شرق السودان لن تمر بلا ثمن، وأن النار التي تُشعل على الحدود ستعود لتحرق الداخل. لكن آبي أحمد، وقد أعماه وهم الدور الإقليمي، اختار تجاهل الحكمة، وسمح – عن علم وتواطؤ – بتحويل الأراضي الإثيوبية إلى منصة عدوان على السودان.
تحت سمع وبصر الحكومة الإثيوبية، فتحت الإمارات معسكرات تدريب للمليشيا الإرهابية داخل إثيوبيا، وقدمت لها الدعم العسكري واللوجستي، في سلوك لا يمكن وصفه إلا بأنه عدوان مباشر على دولة جارة، ومقامرة خطيرة بأمن إثيوبيا نفسها. لم يكن ذلك خطأ تقدير، بل خيارًا سياسيًا مدروسًا، دفع ثمنه الإثيوبيون لاحقًا من استقرارهم ووحدة دولتهم.
السودان، على عكس ذلك، لم ينتظر حتى تتفاقم المؤامرة. رصد وتابع، ثم ضرب بيد من حديد. تحركت قافلة عسكرية ضخمة، تضم أكثر من 150 عربة و35 شاحنة محملة بالسلاح والمرتزقة، وقبل أن تصل إلى وجهتها، كانت نسور الجو السودانية قد حولتها إلى حطام. كانت تلك لحظة فاصلة، أكدت أن السودان دولة تعرف كيف تحمي سيادتها، ولا تسمح بأن تكون ساحة مستباحة لمشاريع الآخرين.
غير أن آبي أحمد لم يتعظ. فبدلًا من مراجعة حساباته، استمر في سياسة اللعب على حواف النار، فإذا بالنار تشتعل في قلب إثيوبيا. انفجر تمرد التيغراي، وامتدت التوترات، واهتز استقرار الدولة، وسقط القناع عن مشروع كان يُراد له أن يُضعف السودان، فإذا به ينسف الداخل الإثيوبي. تلك هي النتيجة الطبيعية لمن يسمح باستخدام أرضه لتصفية حسابات خارجية: يفقد السيطرة، ثم يدفع الثمن مضاعفًا.
وإذا كان المشهد الإثيوبي مثالًا على فشل الارتهان السياسي، فإن حفتر في ليبيا يمثل النسخة العسكرية من الوهم ذاته. فتح الرجل الجنوب الليبي للإمارات، وحوله إلى ممر مفتوح للسلاح والمرتزقة، واستقبل الإمدادات العسكرية واللوجستية ليعيد تصديرها إلى مليشيا آل دقلو الإرهابية، ظنًا منه أن الدعم الخارجي كفيل بصناعة نصر دائم.
لكن الواقع كان أقسى من الأوهام. فقد نهضت المقاومة الشعبية في جنوب ليبيا، وسحقت قوات حفتر، وبدأت تفرض سيطرتها على المنافذ الحدودية مع النيجر، لتنكشف هشاشة مشروعه، ويتهاوى نفوذه أمام إرادة الناس. هكذا يسقط كل من يراهن على الخارج ضد وطنه: سريعًا، ومذلولًا، وبلا سند.
في مقابل هذا الانهيار، كان السودان يحقق مكاسبه بثبات. فبعد تجفيف خطوط الإمداد، خاصة عقب حظر الطيران الإماراتي الذي أعلنته السعودية ومصر والسودان، فقدت المليشيا أحد أهم مصادر قوتها، وبدأت تتهاوى على الأرض. حقق الجيش السوداني انتصارات كبيرة في كردفان، ولا يزال يتقدم في كل المحاور، حتى استسلمت أعداد كبيرة من عناصر المليشيا في شمال وجنوب كردفان، في شهادة دامغة على فشل المشروع التخريبي.
إن ما يجري في إثيوبيا وليبيا ليس استثناءً، بل قاعدة. فالتدخلات الإماراتية، المرتبطة بأجندات خارجية معروفة، لا تصنع استقرارًا ولا تبني دولًا، بل تترك خلفها دولًا منهكة، ونخبًا محترقة، وخرائط ممزقة. السودان وحده كسر هذه القاعدة، لأنه واجه المؤامرة مبكرًا، وبلا تردد.
والرسالة اليوم واضحة ولا تحتمل اللبس:
من يفتح بلاده للمشاريع التخريبية سيفقد أمنه، ومن يراهن على الخارج ضد جيرانه سيخسر الداخل، ومن يختبر صبر السودان سيكتشف أن النار التي تُشعل ضده، ستنطفئ على حدوده، وتشتعل في بيت من أشعلها.
مشاركة الخبر علي :
