حديث الساعة إلهام سالم منصور *استهداف السودان… مشروع ممنهج لمحو الهوية واصطفاف الإدارة الأهلية مع القوات المسلحة هو خط الدفاع الحاسم*
ما يجري في السودان اليوم يتجاوز حدود الصراع العسكري أو الخلافات السياسية، ليكشف بوضوح عن مشروع استهداف ممنهج غايته ضرب جوهر الهوية السودانية، وتفكيك الدولة من الداخل عبر تفتيت المجتمع، وإضعاف الروابط التاريخية التي شكّلت وحدة هذا الشعب عبر قرون من التعايش والتنوع.
هذا الاستهداف لم يأتِ صدفة، بل اعتمد على أدوات خطيرة، في مقدمتها إشعال الفتن القبلية والجهوية، واستغلال هشاشة الأوضاع الاقتصادية، وتوظيف خطاب الكراهية لتفريغ الشباب من انتمائهم الوطني، ودفعهم نحو مسارات تخدم أجندات لا علاقة لها بمصلحة السودان ولا مستقبله.
في مواجهة هذا الواقع، تبرز القوات المسلحة السودانية باعتبارها المؤسسة الوطنية الجامعة، وحائط الصد الأول في معركة الحفاظ على الدولة ومنع انهيارها. فالجيش لم يكن يومًا طرفًا قبليًا أو جهويًا، بل ظل عنوانًا لوحدة البلاد وسيادتها، ووعاءً تنصهر فيه كل مكونات السودان دون تمييز.
وإلى جانب القوات المسلحة، تعود الإدارة الأهلية اليوم لتلعب دورها التاريخي المتجدد، ليس بوصفها إرثًا تقليديًا فحسب، بل كقوة اجتماعية فاعلة تمتلك الشرعية المجتمعية والتأثير المباشر على القواعد الشعبية، وقدرة حقيقية على ضبط الإيقاع الاجتماعي ومنع الانزلاق نحو الفوضى الشاملة.
تكمن أهمية الإدارة الأهلية في هذه المرحلة الحساسة في قدرتها على حماية شباب السودان من الاستقطاب الحاد، وتحصينهم ضد دعوات التفكيك والاقتتال، وإعادة توجيه البوصلة نحو الانتماء الوطني، بدل الانغلاق في دوائر القبيلة أو الجهة. فهي الأقرب إلى الناس، والأكثر فهمًا لتعقيدات المجتمع، والأقدر على نزع فتيل النزاعات قبل تحولها إلى صراعات دامية.
لقد أثبتت التجارب أن غياب الإدارة الأهلية أو إضعافها يفتح الباب واسعًا أمام الفوضى، بينما حضورها الواعي والمنظم يشكّل سداً منيعاً في وجه محاولات تمزيق النسيج الاجتماعي، ويعمل كمضاد قوي لكل مشاريع محو الهوية وإعادة تشكيل المجتمع وفق مصالح خارجية.
واليوم، فإن الاصطفاف الكامل والواضح للإدارة الأهلية خلف القوات المسلحة السودانية لا يمثل انحيازًا سياسيًا، بل هو موقف وطني أخلاقي تفرضه خطورة المرحلة. فالحديث هنا ليس عن سلطة أو مكاسب، بل عن وجود وطن، ومستقبل أجيال، وحماية كيان الدولة من الانهيار.
إن معركة السودان الراهنة هي معركة وعي قبل أن تكون معركة بنادق، ومعركة وحدة قبل أن تكون معركة حدود. ولن تُحسم إلا بتكامل الأدوار بين الجيش، والإدارة الأهلية، والمجتمع المدني، والنخب الوطنية، على قاعدة واحدة لا تقبل المساومة: السودان وطن واحد، وشعب واحد، ومصير واحد.
وبقدر ما تتوحد الصفوف، ويتعزز الاصطفاف الوطني، بقدر ما تسقط رهانات الاستهداف، ويتأكد أن هذا الشعب، رغم الجراح، ما زال قادرًا على حماية هويته، وصون نسيجه الاجتماعي، وبناء سودان قوي، آمن، ومستقر، لا يُكسر ولا يُمحى.
مشاركة الخبر علي :
