حديث الساعة إلهام سالم منصور طبل العِزّة يطرب
وكادقلي تفرح… تفرح بفرحٍ يعرف معنى الألم، وترقص رقصة الصابرين الذين لم تكسرهم الحرب، ولم تُطفئ فيهم نار الحياة. على إيقاعات النقارة ونهلبل، تمتد الذاكرة السودانية عميقًا في التاريخ، حيث لا يكون الفرح ترفًا، بل فعل بقاء، ولا تكون الرقصة لهوًا، بل إعلانًا صريحًا بأن هذه الأرض ما زالت تنبض بالحياة.
في كادقلي، الفرح له طعم خاص، لأنه يولد من قلب المعاناة، ويكبر في ظل التحديات، ويعلو رغم أصوات المدافع. هنا، حين تُقرع النقارة، لا تُقرع للرقص فقط، بل لتقول إن الجبال شاهدة، وإن الإنسان السوداني قادر على تحويل الألم إلى أمل، والانكسار إلى عزيمة، والخوف إلى قوة.
وترتفع تكبيرات رجال الكاكي، فتملأ الفضاء هيبةً وطمأنينة، تكبيرات لا تعرف الزيف، تخرج من صدور خبرت الميدان، وحملت همّ الوطن على أكتافها. رجال لم يقاتلوا دفاعًا عن سلطة أو مكسب، بل دفاعًا عن الأرض، عن العرض، عن هوية السودان التي حاول الكثيرون طمسها وتشويهها. تكبيراتهم ليست مجرد أصوات، بل رسائل طمأنة للشعب، وعهد متجدد بأن السودان لن يُترك فريسة للفوضى.
كادقلي اليوم لا ترقص وحدها، بل ترقص باسم كل مدينة صامدة، وكل قرية موجوعة، وكل أم صابرة، وكل طفل حلمه وطن آمن. ترقص نيابة عن دارفور، والجزيرة، والخرطوم، وكردفان، والشرق، والشمال، ترقص لأنها تعرف أن الفرح في زمن الحرب مقاومة، وأن الحياة نفسها موقف سياسي وأخلاقي.
هذا المشهد، حيث يمتزج التراث الشعبي بالتكبير، وحيث تلتقي الثقافة بالسلاح، وحيث يصافح الفرح الواجب الوطني، ليس مشهدًا عابرًا، بل درس في معنى الانتماء. إنه يؤكد أن السودان لا يُحفظ بالقوة وحدها، ولا بالخطابات، بل بروح أهله، وبإيمانهم بأن هذا الوطن يستحق التضحية، ويستحق الفرح حين يلوح الأمل.
إن إيقاعات نهلبل في كادقلي ليست مجرد موسيقى، بل نبض أرض، وصوت تاريخ، وذاكرة جماعية ترفض النسيان. هي تذكير بأن هذا الشعب، مهما قُهر، لا يفقد قدرته على الغناء، ومهما جُرح، لا يتخلى عن حقه في الفرح، ومهما اشتدت عليه المحن، يظل متشبثًا بالحياة.
وفي ظل هذه اللحظة الرمزية، يتجلى المعنى الأعمق:
أن السودان باقٍ بأهله،
قوي بوحدته،
عزيز بإيمانه،
ومتجدد بقدرته على النهوض من تحت الركام.
كادقلي اليوم تقول للسودان كله:
نحن هنا…
نفرح لأننا صامدون،
ونرقص لأننا لم نُهزم،
ونكبر لأن العزة لا تموت.
في كادقلي، العزة ليست شعارًا… بل أسلوب حياة.
الاثلاثاء٣فبراير٢٠٢٦
مشاركة الخبر علي :
