الدلنج... كادقلي ... نفحات وطنية! محمد التجاني عمر قش
ربما لا يعلم كثير من القراء الكرام أن المنطقة التي تعرف جغرافيا بجبال النوبة في وسط السودان، وتحديدا في ولاية جنوب كردفان، هي في واقع الأمر سودان مصغر يضم نسيجا اجتماعيا سواده الأعظم من أهلنا النوبة الذين سميت المنقطة باسمهم، بيد أن هذه المساحة الشاسعة من الوطن تسكنها قبائل شتى بينها النسب والتصاهر، والصلات الطيبة وتبادل المنافع والتشارك في المسكن والمرعى والزراعة وغيرها من الأنشطة الإنسانية. وجبال النوبة هي مهد لواحدة من أقدم الممالك الإسلامية التي نشأت وازدهرت في السودان الشرقي، وساهمت في نشر الوعي وتوثيق الروابط الاجتماعية بين الناس ألا وهي مملكة العباسية تقلي ومن أشهر مكوكها جدي المك آدم دبالو الذي كان يحارب الفونج نهارا ويقدم لهم القرى ليلا باعتبارهم ضيوفا حلوا بدياره، وقد مثلت تلك المملكة أبهى تجليات التفاعل الحضاري بين الإسلام وبيئة جبال النوبة بتوعها العرقي والثقافي.
ولم يقتصر دور جبال النوبة الوطني والتاريخي على تلك المملكة العريقة، بل أنجبت هذه المنطقة رجالا كتبوا اسماهم في سجل التاريخ السوداني بأحرف من نور وثبات وتضحية وجهاد في سبيل الوطن ووحدة ترابه ومن هؤلاء العظماء الفكي علي الميراوي الذي قاد ثورة فتية ضد الاستعمار الإنجليزي ما بين عامي 1914 و1927، وهي مقاومة شعبية تكشف عن دور الفقهاء والمتصوفة كقادة مقاومة ترفض وجود المستعمر على التراب السوداني، وقد تعاملت معها السلطات الاستعمارية بقدر من القسوة والقمع حتى استشهد الفكي علي ولقي ربه وهو يحمل راية الجهاد دفاعا عن دينه وأرضه وعرضه، رحمه الله.
ولعلنا نضرب مثلا بجهاد نساء جبال النوبة بمندي بنت السلطان عجبنا التي ضربت أروع مثل في الصبر والجهاد، فهي واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ المقاومة السودانية فقد وقفت ضد التوسع التركي المصري أولا ثم البريطاني لاحقا، وهي بذلك قد كسرت الصورة النمطية عن غياب النساء عن الفعل السياسي والعسكري في تاريخ السودان؛ ولذلك تعتبر امتدادا لوالدها الرجل العظيم السلطان عجبنا ورفضت الخضوع الثقافي قبل العسكري بكل بسالة واقتدار. ومقاومتها دليل على أن نساء جبال النوبة شاركن بفعالية في صناعة تاريخ السودان وأمجاده، فهي واحدة ممن قلائل خضن غمار المعارك معنويا وسياسيا.
وجبال النوبة لم تعقم أبدا عن إنجاب العظماء والقادة من النساء والرجال، وهم كثر لا يتسع المجال لذكرهم جميعا ونكتفي بالإشارة إلى بعضهم مثل اللواء محمود حسيب والأب فيليب عباس غبوش والدكتورة تابيتا بطرس ومنهم القائد الفارس الأسمر الفريق أول شمس الدين كباشي الذي يشارك في قيادة حرب الكرامة بكل كفاءة وحنكة حتى تحقق النصر في أكثر من موقع حتى دخلت جحافل الجيش السوداني والقوات المساندة إلى مدينتي الدلنج وكادوقلي بعد أن ظلت تحت الحصار الجائر من قبل همج الدعم السريع وقوات الحركة الشعبية شمال بقيادة العميل عبد العزيز الحلو خذله الله.
استعادة الدلنج وكادوقلي من قبضة التمرد هي في واقع الأمر نصر كبير للجيش السوداني والقوات المساندة له ومن شأنها فتح الطريق نحو كاودا معقل العمالة والارتزاق وقد ظلت شوكة في خاصرة الوطن منذ فترة ليست بالقصيرة؛ ولذك ابتهج الشعب السوداني عن بكرة أبيه بهذا النصر المبين الذي يأذن بنهاية التمرد ليس في جبال النوبة فحسب، بل في غرب البلاد كله، وهذا ما يجعلنا نقول إن رفع الحصار عن الدلنج وكادوقلي يحمل نفحات وطنية رائعة بثت روح الاستبسال في الدفاع والقتال ضد تتار العصر في كافة أرجاء السودان، وبإذن الله قريبا تتخلص البلاد من هؤلاء الأوباش وأذيالهم الذين عاثوا فسادا في السودان ودمروا البنية التحتية وقضوا على الأخضر واليابس وأزهقوا الأرواح بلا وازع أو ضمير ولكن الله غالب على أمره وناصر جنده بحوله ووقته. وغدا تعود جبال النوبة لسالف عهدها وتستأنف مسيرها الوطنية، ولا نامت أعين الجبناء والخونة.
مشاركة الخبر علي :
