*🌏 شبكة المحيط الإعلامية أضواء البيان نيوز – رائدة الإعلام الرسالي الدكتور / أحمد التجاني محمد يكتب: 🌀 رسالة إلى أهل التصوف: اضبطوا المنهج من الاختراق والتلاعب والتبرير!! (1-2) 〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️
أصبحت المراوغة والمواربة، والتحايل والتلاعب بالمنهج الصوفي القائم على «الكتاب والسنة» والعلم والعمل، طريقةً ممنهجةً تُنفَّذ بخطة مدروسة ومرسومة من جهاتٍ ظلت تتربص بالإسلام منذ القدم، عبر واجهات محسوبة على التصوف، لإفراغه من جوهره ومحتواه القائم على الزهد وتزكية النفس، والالتزام الصارم بالكتاب والسنة، الذي عُرف عند العلماء بـ(التصوف السني)، وتحويله إلى مظاهر للترف والترفيه، واستبدال حلقات العلم والذكر بطقوسٍ وحفلاتٍ غنائيةٍ صاخبة، وممارساتٍ دخيلةٍ على الإسلام، ناهيك عن التصوف!
اليوم بات المنهج الصوفي المبتدع سلوكًا محمودًا لا ينكره إلا قليل، رغم المخالفة الصريحة للشريعة الإسلامية، ليجد المنهج المنحرف المتسربل بثياب التصوف طريقه لهدم المنهج الصوفي، واستبداله بمناهج سلوكية بعيدة عن القيم الروحية التي قام عليها التصوف، ونشر عادات لا تشبه قيم وسلوك أهل التصوف. ومن أبرز مظاهر تفريغ التصوف من محتواه، الذي بات واقعًا مشاهدًا: الانفصال عن حفظ القرآن الكريم وعلومه، والجهل بأحكام الشريعة الإسلامية في العبادات والمعاملات، وطمس معالم منهج التزكية والرياضات الذي قام عليه التصوف.
المنهج الصوفي السني الذي جاء به أهل الفضل والصلاح بعيدٌ كل البعد عن الانشغال بمظاهر الترفيه واللهو والرقص والغناء، والفسوق والمجون، تحت غطاء المناسبات والاحتفالات الدينية من (موالد وأذكار جماعية أشبه بحفلات المراقص الجماهيرية الصاخبة). ولا أدري كيف يقوم ذكر الله دون تحقيق مقاصده في تزكية القلب والخشوع والحضور، وسط أجواء تسودها سحابة الإطراء والمبالغة في تعظيم الأشخاص، لا في تعظيم صاحب الهدي النبوي ﷺ. فضلًا عن حب المحمدة، ورؤية الفضل على الغير، والمبالغة في تضخيم أعمال البر والإحسان والإطعام، حتى أصبح المنُّ والأذى لسان الحال والمقال، فلا يُفتتح الحديث إلا بحمد النفس، ولا يُختتم إلا بالمنِّ والأذى!
ومن مظاهر إفراغ التصوف عن منهجه ترك دراسة العلوم الشرعية، والاعتماد على «المحبة» كشعار جذاب، علمًا بأن هذا المسلك لا يقود إلى الانحراف بالمنهج الصوفي فحسب، بل يقود إلى ممارسات واعتقادات تخالف أصول العقيدة الإسلامية، خاصةً وأننا بدأنا نقترب سريعًا من بحر تسونامي يستهدف العقيدة الإسلامية.
بات من الضروري اليوم قيام مشيخةٍ للطرق الصوفية بالسودان، من مشائخ الطرق المعتبرين المجازين، الحائزين على إجازات علمية وإجازات في التربية والسلوك، وبمشاركة أجهزة الدولة المختصة، لضبط المنهج الصوفي والعودة إلى جادة الطريق، ومنع الانحرافات والتجاوزات، أسوةً بالمشيخة العامة للطرق الصوفية بجمهورية مصر العربية، وهي هيئة رقابية مضبوطة بمنهج عام وقانون، تُلزم عضويتها بتطبيق المنهج الصحيح، وتحاسب وتعزل كل شيخٍ مخالفٍ للأسس والضوابط عبر هذا الكيان الجامع.
المشيخة العامة للطرق الصوفية بجمهورية مصر العربية هيئةٌ رسمية منشأة بقانون، تتولى تنظيم وإدارة شؤون التصوف بعضوية أكثر من (67) طريقة صوفية، وتهدف إلى نشر القيم الروحية، وضبط الأوراد والمناسبات الدينية، والإشراف على الأضرحة. وتُعدّ الهيئة حارسًا أمينًا للقيم الصوفية، وتمنع أي تجاوزات على المنهج، سواء من الطرق أو من الشيوخ، كما تقوم بالتنسيق بين الطرق الصوفية ووزارات الدولة المختلفة، ويرأسها شيخ مشايخ الطرق الصوفية. وكانت المشيخة النواة التي انبثق منها المجلس الأعلى للطرق الصوفية في جمهورية مصر العربية، كهيئة تنظيمية وإدارية عليا، بموجب القانون رقم (118) لسنة (1976).
ويُعدّ المجلس الأعلى الهيكل التنظيمي الأعلى، ويتكون من شيخ المشايخ وستة عشر عضوًا، إضافةً إلى عشرة أعضاء منتخبين من المشائخ، وخمسة أعضاء فنيين مُعيَّنين من جهات رسمية، كوزارة الأوقاف، والأزهر الشريف، ووزارة الداخلية، ووزارة الثقافة، ووزارة التنمية المحلية، وهي الجهة المخوَّلة قانونًا بتنظيم شؤون (67) طريقة صوفية مسجَّلة بجمهورية مصر العربية، والإشراف على قراراتها، ويرأسه الشيخ الدكتور عبد الهادي القصبي، شيخ مشايخ الطرق الصوفية، المعيَّن بقرار من رئيس الجمهورية.
وقد تصدّت المشيخة العامة للطرق الصوفية بجمهورية مصر لكل المظاهر السالبة من مراوغة ومواربة وتحايل وتلاعب بالمنهج الصوفي، سواء عبر البدع الدخيلة على التصوف أو عبر الانحراف السلوكي، ليظل التصوف في مصر قائمًا على العلم والصدق في القول والعمل. وستظل المشيخة العامة كيانًا راسخًا لحفظ التصوف من كل مظاهر الابتداع والخروج عن جادة الطريق، وأكبر ضامنٍ للحفاظ عليه بمنهجٍ مضبوط يمنع تفريغه من محتواه الحقيقي. ولهذا ستظل الطرق الصوفية في مصر ساحةً للعروج بالروح والوصول إلى الله بذات المنهج الذي جاء به الصالحون الأولون، ونخصّ منهم: سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني، وسيدي الشيخ أحمد البدوي، وسيدي الشيخ أحمد الرفاعي، وسيدي الشيخ إبراهيم الدسوقي، وسيدي الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنهم أجمعين، بمنهجٍ مضبوط وسندٍ متصل موصلٍ للأرواح إلى حضرة الله. أمّا إذا ساد الجهل والغش والتدليس والرقص والغناء والقيل والقال وحب المحمدة والظهور، فإن باب الشيطان سيكون الأقرب إلى الوصول.
المجلس السوداني القومي للذكر والذاكرين، بوفاة الراحل الشيخ الدكتور طه الشيخ الباقر، خمدت نار كيانٍ وُضعت له الأهداف والبرامج التي تهدف إلى حماية المنهج الصوفي من الابتداع والانحراف، أسوةً بالمشيخة العامة للطرق الصوفية بجمهورية مصر العربية.
العلم والجهل لا يجتمعان، وكما قال الإمام الشافعي: «ما اتخذ الله وليًا جاهلًا، ولو اتخذه لعلّمه». فكيف تكون شيخًا مرشدًا ومربيًا وأنت بحاجة إلى العلم الشرعي لتصحيح العقيدة من الانحراف، ومعرفة ما يصح به فرض العين من الطهارة والصلاة والصيام؟ فالعلم والعمل توأمان لا ينفكان عند أهل التصوف، والسالك لطريق القوم يبتغي الوصول إلى رضا الله لا رضا المخلوقين. وقد أشار العلامة ابن خلدون إلى أن موضوعات التصوف تنحصر في أربعة: أولًا المجاهدات، وتشمل الرياضات النفسية والتربوية والروحية، وما يحصل من الأذواق والمواجيد، والعزلة عن الخلق، ومحاسبة النفس. ثانيًا: الكشف، ويتعلق بالمعارف والعلوم اللدنية التي يفتح الله بها على قلوب أهل التصوف. ثالثًا: التصرفات في العوالم والأكوان، وتشمل الكرامات وخوارق العادات. رابعًا: الألفاظ المشكلة، وتتعلق بالشطحات التي تصدر في حالة الوجد وتحتاج إلى تفسير. هذا هو التصوف!
وللتعريف بالنشأة والتكوين، فإن التصوف الإسلامي ظهر كحركة تصحيحية نتيجة الإفراط في الشهوات والملذات التي انغمس فيها الناس في حقبة الدولة الأموية، فبدأ كحركة زهدية فردية في نهاية القرن الأول وبدايات القرن الثاني الهجري في (البصرة)، ثم تبلور كعلم ومدرسة منظمة في القرن الثالث الهجري، تاركين الدنيا وراءهم، راغبين في العبادة الخالصة لله والاقتداء بالرسول ﷺ وأهل الصُّفّة، ثم اشتهر هذا المصطلح مع الإمام الحسن البصري وذو النون المصري، قدّس الله سرَّهما.
وبالتالي فإن ما نشاهده من بعض أدعياء التصوف من إقامة الحفلات والرقص والغناء، وتقديس الدنيا وجعلها في القلوب لا في الجيوب، هو خروج صريح عن منهج التصوف؛ لأن التصوف في الأصل قائم على الزهد عن المباح فضلًا عن المكروه والحرام. ولا أدري كيف يزعم هؤلاء أنهم متصوفة، فالتصوف حركة مضادة للانغماس في الحياة الدنيوية والترف الذي طغى على المجتمع بعد توسع الدولة الإسلامية، أما في عصرنا هذا، عصر العولمة ووسائل التواصل الاجتماعي ودعاة الحداثة وجذب الشباب، فحدّث ولا حرج!
التصوف اعتزال عن الدنيا، وانقطاع للعبادة، وتربية للنفوس، وتطهير للقلوب، والانشغال بذكر الله عن شواغل الدنيا. جاء التصوف ليطهر القلوب لا ليفسدها، وليُخرج حب الدنيا لا ليوطّده في القلوب، وجاء لتعميق محبة الله ومحبة رسوله ﷺ، كمنهجٍ للعلم والعمل لا يفترقان. هذا ما قام عليه التصوف في بغداد في عهد المؤسس الإمام الجنيد بن محمد، ثم انتشرت الطرق الصوفية في العالم الإسلامي في القرن الثالث الهجري، وساهمت إسهامًا كبيرًا في نشر الإسلام بحسن منهجها واعتدال فكرها وتواضع رجالها، متخذة الزهد شعارًا، وتصفية القلوب دثارًا، مع صحة الاعتقاد وحسن المقصد.!!*
الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ألّف كتابه الشهير «تلبيس إبليس» في الوعظ والتصوف السني، كاشفًا فيه ألاعيب الشيطان ومكائده في إغواء العباد، متتبعًا مداخله إلى مختلف أصناف الناس من علماء، وزهّاد، وعبّاد، وولاة، وعوام؛ لتحذيرهم من البدع والضلال. وقد حوى الكتاب كشفَ أوجه التلبيس الشيطاني، وكيفية إظهار الباطل في صورة الحق، محذّرًا العباد والزهاد من فتن إبليس، ومؤكِّدًا تعزيز العقيدة الصحيحة المبنية على الكتاب والسنة. وقسّم ابن الجوزي كتابه إلى ثلاثة عشر بابًا، شملت: الأمر بلزوم السنة، والتحذير من البدع، وبيان كيف يلبّس الشيطان على الفقهاء والزهاد والصوفية والولاة، وكيفية إغوائه للعوام من خلال الغرور.
واتّبع ابن الجوزي المنهج الوصفي، فأورد قصصًا عن أناس تلاعب بهم إبليس، وذكر طرقًا لكسر شوكته ومكره بالاستعانة بالله والتمسّك بالعلم. ويُعدّ الكتاب مرجعًا مهمًّا في كشف الانحرافات والسلوكيات الجانحة، إذ يصف بدقة أساليب الشيطان التي لا تخطر على قلب بشر، خاصة في مسائل الاعتقاد والعبادات. كما يُعدّ دليلًا تربويًا ونفسيًا يوضح كيفية حماية القلب، الذي اعتبره ابن الجوزي حصنًا من غزو الشيطان.
وهناك حكاية مشهورة في التراث الصوفي عن الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه مع إبليس لعنه الله، تُبرز علوّ كعبه في العقيدة والعلم. فقد حاول الشيطان إغواءه عبر صورة نورانية نادته في خلوته قائلة: «يا عبد القادر، أحللت لك المحرّمات»، فأدرك الجيلاني بعلمه وفقهه أنه شيطان، فقال: «كذبت يا عدوّ الله»، فتبدّد النور وأظلم. وكانت هذه المحاولة اختبارًا حقيقيًا للشيخ عبد القادر الجيلاني، إذ تمثّل الشيطان في صورة نور عظيمة وتدلّى في الهواء مخاطبًا إياه بأنه ربّه، مدّعيًا سقوط التكاليف والفرائض عنه. غير أن ردّ الشيخ الإمام عبد القادر الجيلاني كان قاطعًا كالسيف بقوله: «كذبت يا عدوّ الله»، مستندًا إلى أن الوحي والتشريع قد انتهيا بانتقال النبي محمد ﷺ، فلا تحليل ولا تحريم بعده، لأن التشريع والتكليف قد انقطعا. وعلى الفور اعترف الشيطان قائلاً: «يا عبد القادر، نجوتَ مني بفقهك في دينك، لقد فُتِن بهذه الحيلة قبلك سبعون رجلًا».
وتؤكد هذه القصة أهمية العلم الشرعي لأهل التصوف في حياتهم، حتى لا يضلّهم الشيطان. وقد اعترف إبليس بإغواء سبعين من الشيوخ في زمان الشيخ عبد القادر الجيلاني سنة (470هـ)، ولا ندري كم بلغ عدد الشيوخ الذين أغواهم الشيطان وأضلّهم في زماننا، الذي كثر فيه الأدعياء والدخلاء والغرباء المتسرّبلون بثياب التصوف، والتصوف منهم براء. *
〰️〰️〰️〰️〰️
*🌏شبكة المحيط الاعلامية*
*أضواء البيان نيوز رائدة الاعلام الرسالي*
*د.احمد التجاني محمد* *استاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية رئيس التحرير*
*الاحد/8/ فبراير/2026م*
*الموافق/20/شعبان 1447ه*
*#شعارنا معا لنصرة القوات المسلحة في معركة الكرامة الوطنية#*
مشاركة الخبر علي :
