*حزم خدمات حجاج السودان هل طلّ تضارب المصالح من نافذة الإطعام؟* *كتب/ عبد اللطيف السيدح*
حين نتحدث عن حزم خدمات حجاج السودان ، وهى الإعاشة، والإسكان، والنقل فنحن لا نتحدث عن ملفات ورقية ولا عن عطاءات عابرة، بل عن منظومة يفترض أن تُدار بأعلى درجات الحوكمة، لأن أثرها لا يتوقف عند الشركات، بل يمتد مباشرة إلى حاجٍ جاء ضيفًا على الرحمن، مستحقًا للخدمة لا للتجريب.
ففي هذا الموسم أدخلت في صناديق العطاءات أكثر من مئتي ظرف مختومة بالشمع الأحمر في حزم الإعاشة والنقل والإسكان، وهذا رقم كفيل لوحده بأن يفرض انضباطًا إجرائيًا صارما، ومعايير مكتوبة لا تتغير، ولجانًا تقف على مسافة واحدة من الجميع. لكن ما جرى، خصوصًا في حزمة الإطعام، فتح نافذة لم يدخل عبرها النسيم العليل، بل اندفع منها هواء ساخن، لا يبدو أنه سيتوقف قبل نهاية موسم حج هذا العام 1447هـ.
نبدأ من حيث يُحسب للبعثة لا عليها.
قرار ترك اختيار الإسكان لأمناء أمانات الحج والعمرة بالولايات قرار رشيد، ينسجم مع أبجديات الحوكمة تفويض واضح، مسؤولية محددة، ومساءلة مباشرة، حيث يقوم أمين أمانة الحج والعمرة بالولاية باختيار مساكن حجاجه، ويتحمل، ويسأل إن أخفق، وهنا تتراجع الضبابية، ويتقدم منطق القرب من الحاج واحتياجاته. فهذه التجربة تستحق الإشادة والتثبيت.
لكن المشهد يتغير كليا عند حزمة الإطعام، فأكثر من مائة عطاء تنافست على خدمة الإعاشة، لكنها انتهت إلى خمسة مطابخ فقط في مكة المكرمة. الرقم في ذاته ليس موضع اعتراض، لكن الطريقة التي قادت إليه تثير أسئلة لا يمكن تجاهلها. فهل كانت المعايير معلنة بوضوح منذ البداية؟ وهل عرفت كل الجهات المتقدمة سلفًا سقف الفرص وحدود المنافسة؟
الأخطر من ذلك، هو استبعاد بعض المطابخ بحجة أنها خدمت حجاج السودان كثيرًا، وأن اللجنة رغبت في إفساح المجال لغيرها. هذا التبرير، وإن بدا جذابًا من حيث الشكل، يصبح إشكاليًا من حيث الحوكمة إذ لم يكن منصوصًا عليه صراحة في كراسة العطاءات. فالحوكمة لا تُدار بالنوايا، بل بالنصوص. ولا تُمارس بعد الفرز، بل قبل فتح المظاريف.
وحين تشير التقارير الفنية إلى جودة الأداء، وعدم تسجيل ملاحظات، بل وحصول بعض هذه المطابخ على جوائز وإشادة في الموسم الماضي، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا:
هل كان الاستبعاد قرارًا فنيًا أم إداريًا؟
وهل طُبق المعيار ذاته على الجميع دون استثناء؟ وهنا تحديدًا، تطل علامات الاستفهام الكبرى حول لجنة الإطعام. وهذه اللجنة كونت، ثم حُلّت، ثم أُعيد تشكيلها، وأغلب أعضائها قادمون من السودان، وتغييراتها المتكررة لم تُشرح للرأي العام ولا للمتعاملين معها.
فهل كان التغيير لتحسين الأداء؟
أم لمعالجة إشكالات داخلية؟
أم وهو السؤال الأثقل لتكييف القرارات مع مسارات بعينها؟
لا أحد يتهم، لكن الحوكمة حين تضعف، تفتح الباب تلقائيًا لأسئلة تضارب المصالح.
من يقرر؟
وبأي صفة؟
وهل هناك فصل واضح بين من يضع المعايير ومن يستفيد من نتائجها؟
وهل تم تحييد أي عضو قد يملك علاقة مباشرة أو غير مباشرة بجهة متقدمة؟
هذه الأسئلة لا تعني الإدانة، لكنها تعني أن التجربة في شق الإطعام تحديدًا لم تكن محصّنة بما يكفي. فقد فتحت نافذة، ولجت منها عبارات المسكوت عنه ، وستترك خلفها شعورًا عامًا بأن شيئًا ما لم يكن مريحًا، حتى وإن كان قانونيا في شكله.
أما حزمة النقل، فرسوّها المحتمل على شركة واحدة أو اثنتين فقط يعيد طرح سؤال الحوكمة من زاوية أخرى، هل أُديرت المخاطر؟ وهل وُضعت البدائل؟ أم أن الرهان كان على الحد الأدنى من الخيارات؟
واليوم وقد أنهت لجنة الإطعام عملها، فهل يصح أن يغلق الناس الملف بدعوى أن النتائج خرجت. وفي علم الحوكمة النتائج لا تقاس بالخواتيم فقط، بل بالطريق كله. وما لم تتم مراجعة قرار اللجنة التي استبعدت عدداً من المطابخ بحجة أنها خدمت كثيراً، وذلك بحجة أن هذا مخالف لنظام الشراء والتعاقد، إن لم ينتبه المسؤولون عن هذا القرار وبكل حياد وشفافية، فإن هواء ساخنا سيظل متدفقا، وسيمتد أثره حتى نهاية الموسم وما بعده.
نسأل الله أن تأتي العواقب سليمة،
وأن يمر موسم حج 1447هـ دون كلفة إضافية على الثقة،
لكن الدعاء وحده لا يكفي.
الذي يكفي هو الوضوح،
وتحييد تضارب المصالح،
وتثبيت القواعد قبل بدء السباق، لا بعد إعلان نتائجه. وكل شيء يجب أن يكون على البلاطة
وفي الهواء الطلق.
مشاركة الخبر علي :
