هل ستحمل لجان حزم خدمات حجاج السودان قانون (أرض الجمان) معها إلى طيبة أم تتركه في النسيم ؟ كتب / عبد اللطيف السيدح
طوت لجان حزم الخدمات لبعثة الحج السودانية ملفات الإعاشة والنقل والإسكان في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، بما فيها من جهدٍ محمود، وسعيٍ مشكور، وسهرٍ طويل وسلبيات كثيرة و إخفاقات بائنة، وهذا جهد بشري معرض للنجاح والفشل.
تتجه اللجان إلى المدينة المنورة لتكملة ذات المهام، حيث الامتحان ذاته، ولكن بعيونٍ أشد ترقباً، وذاكرةٍ لن تنس ما جرى هنا في مكة المكرمة، حيث لم يكن إغلاق الملفات ختاماً إدارياً فحسب، بل كان فاتحةً لعلامة استفهامٍ كبيرة، ثقيلة الظل، عميقة الأثر. فقد تم استبعاد عدد من الشركات والمؤسسات وبالأخص بعض المطابخ تحت لافتة تطبيق نظام الشراء والتعاقد بوزارة المالية الاتحادية في السودان، والذي كما قيل لنا لا يسمح بتجديد العقود لأكثر من عامين مع الجهة ذاتها. نصّ قانوني طُبّق هذا الموسم بحرفيته الصارمة، بيد أن السؤال الذي يتردد في المجالس، ويهمس به العاملون في الميدان، ويتداوله المتابعون بقلقٍ مشروع، هل تم تطبيق النص على جميع الشركات والمؤسسات بذات الميزان؟ أم أن النصوص حين تنتقى انتقاءً، تفقد عدالتها، وتتحول من ميزانٍ إلى سوط؟
إن استبعاد مطبخ أرض الجمان على وجه الخصوص على أنه خدم الحجاج لأكثر من عشر سنوات لم يكن حدثاً عابراً، فهذا المرفق الذي خدم حجاج السودان مواسم متتالية، لم يكن مجرد مطبخٍ يؤدي خدمة، بل كان شريكاً في الأزمات، وسنداً عند الشدائد، وداعماً لمكتب حجاج السودان عندما تضيق عليه الخيارات وتشتد التحديات، وهذا المطبخ وصاحبه قد سبقت سمعته المهنية اسمه، وسمعة مالكه الذي ارتبط بالوفاء والنبل مع مكتب حجاج السودان، فهل كان جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ أم أن أيادي الجحود قد صافحت أيادي البذل، وبين الأصابع شيء من جفاء، وعلى الكفوف أثر نكرانٍ لا يليق بتاريخ الشراكة؟
لسنا هنا في مقام الدفاع عن جهة بعينها بقدر ما نحن في مقام الدفاع عن مبدأ العدالة الإجرائية فإن كان النظام لا يسمح بالتجديد لأكثر من عامين، فليُطبق هذا القانون على الجميع دون استثناء، في مكة كما في المدينة، على الكبير قبل الصغير، وعلى من خدم طويلاً كما على من دخل حديثاً. أما أن يكون القانون سيفاً مسلطا في موضعٍ ويغض الطرف عنه في آخر، فتلك بداية الانزلاق من دولة المؤسسات إلى مزاجية القرارات.
إن اللجان المتوجهة إلى المدينة المنورة تقف اليوم أمام اختبارٍ حقيقي، لا يقل أهمية عن جودة السكن أو كفاءة النقل أو سلامة الإعاشة، والاختبار هو هل سيتم تفعيل ذات النظام الذي فعل في مكة على كل المؤسسات والشركات التي تقدم خدماتها لحجاج السودان في المدينة منذ سنوات؟ أم سيعاد تأويل النصوص، وتطوى بعض الصفحات قبل أن تقرأ؟
والتاريخ الإداري لا ينسى، والعدالة، إن تجزأت، فقدت معناها. والشفافية، إن لم تكن كاملة، صارت شبهة.
أيها السادة في لجان حزم الخدمات، وأنتم على أعتاب المدينة المنورة، حيث الطهر والوضوح، وحيث القيم التي تعلي شأن الأمانة والعدل، نرجوكم طبقوا قانون (أرض الجمان) على ذات الشركات والمؤسسات التي أدمنت خدمة حجاج السودان في طيبة الطيبة، طبقوه كما أعلنتموه، بلا انتقاء، وبلا استثناء، ولا تجعلونه سيفا مسلطا على مقدمي الخدمات بمكة المكرمة، وأبا عطوفا على مقدمي خدمات الحجاج بالمدينة المنورة.
طبقوه واجعلوا منه مظلة للجميع، لا أداة على بعضهم. فإن كنتم قد شددتم القبضة في مكة، فلا تتخلوا عنها في المدينة. وإن قلتم إن النص فوق الأشخاص، فليكن فوق الجميع.
وإن غداً لناظره قريب.
مشاركة الخبر علي :
