*ضرب ركائز الفساد الوظيفي في الدولة* *كتب: حيدر التوم خليفة*
ما زالت تطوف بذهني صور لتجارب مضيئة ، لِما يجب ان يكون عليه حال المسؤول في بلادنا ، وهنا اورد بعضاً منها :
.. قبل سنوات قام الرئيس الفرنسي هولاند بتسليم الحكم الي الرئيس الجديد ماكرون ، وخرج من قصر الاليزية ، وركب دراجته الهوائية مغادراً الي بيته ، نعم فقد انتهي التكليف ..
... رئيس وزراء بلجيكا ، يسكن في منزله الخاص ، وبلا حراسة ، في بلدة خارج العاصمة بروكسل ،
يركب يومياً قطار السابعة صباحاً ،
ثم يسير الي مكتبه والذي يصله في الثامنة ، حيث يوقع علي دفتر الحضور ، مثله مثل الآخرين ..
... وزيرة البيئة في حكومة النرويج وهي دون الثلاثين من العمر ، تركب الحافلة العامة للوصول الي الوزارة ،
... وزير داخلية الدنمارك يجلس في مكتب متواضع جداً ، يخرج منه عند نهاية الدوام مسرعاً ، حيث يقود دراجته وهو بنظر الي ساعته لان طفلته تنتظره ليقلها الي المنزل مردوفة معه ، فالقانون يعرف موظف
إسمه الوزير ، ولا يعرف بنته او زوجته حتي يوفر لهما عربة ..
…هذا هو حال المسئولين عندهم ، هؤلاء الكفرة الفجرة ، ابناء الكلب ، حطب جهنم ، لم يحفظوا البخاري ومسلم ، ولم يقرأوا القران ، ويعلقونه حِلية في منازلهم ومكاتبهم ، بعد ان علقه أسلافهم حِيلة علي اسنة الرماح ، إستجداءً لصلح مزعوم ، وطلباً لسلام ملغوم بنفاق طافح ..!!
هذا هو تعاملهم مع الوظيفة ، والتي يعتبرونها تكليفاً وليس تشريفاً ، لم يرفعوا زوراً ونفاقاً علي عنوان وظيفتهم لافتة منحوتة مكتوب عليها (إنها أمانة ويوم القيامة خزي وندامة) بل أنجزوا عملياً شعار انها امانة ، ويجب ان ننجزها بأمانة ، ولا مجال لان تكون خزي وندامة ، فهؤلاء بستقيلون اذا احسوا (مجرد إحساس ان هذا الفعل ربما يكون مخزياً) ، فها هي وزيرة التعليم السويدية تستقيل ، لان الشرطة في احد الليالي اوقفتها وهي تقود سيارتها ، وذلك ضمن تفتيش روتيني ، ووجدت ان في دمها نسبة ضئيلة جداً من الكحول ، حتي ان الشرطة لم تهتم بتسجيل الحادثة كجنحة ، رغماً عن أن اعضاء الدورية لا يعرفونها ، ولكنها في الصباح ذهبت باستقالتها لرئيس الوزراء ، والذي افادها بان مكتبه لم تصله شكوي بخصوصها ، ولكنها اصرت علي إستقالتها قائلة (إن ضميرها لا يمكن ان يتعايش مع المسألة ، خاصة أنها يجب ان تكون قدوة للاخرين) ..
هؤلاء تربوا علي الاخلاق المجردة ، القائمة علي القيم الانسانية الكلية التي مثّلت ارتكازات سلوكهم الحقيقي ، وليس الاخلاق القائمة علي منظومة مُدعاة زوراً ، فأنجبت النفاق ، الذي قاد الي الفساد ..
وواضح اننا نعاني من مشاكل مركبة ، يتلاقي فبها القيمي مع الديني مع الثقافي مع السياسي ، والنتيجة هذا الانسان المتناقص ، المركوز في داخل الشخصية السودانية ، الانسان المنافق ، الاناني ، الفاسد ، الفاقد للقيم السوية ، المهتم بالشكل ، التارك للمحتوي ، المتدين ظاهرياً ، الفاسد والمنتن داخلياً ، الغير مُدرك بأن جسداً بلا اخلاق كبركة آسنة ضررها اكثر من نفعها ..
وقد وضح ان ما يدور في السودان هو صراع نخب ، يتصدي له طامحون ، اخطرهم ذاك الذي يرتقي على ظهر القبيلة والعنصر والجهة لتمكين نفسه ، فهو يسرق لسانها ، ويصارع بحالها ، وقد بان مقصده الخبيث ، وهو الانتفاع الشخصي من الوظيفة ، لانها صارت اسرع السبل لتحقيق الثروة وكنز الاموال وسرقتها ، وغدت السياسة اهم سبل كسب العيش في السودان ..
وفي كل العالم نجد ان الثروة هي التي تجلب الوظيفة ، الا في بلاد الانحطاط والتخلف ، فالوظيفة هي التي تمنح الثروة بطريقة غير شرعية ..
لهذا يجب تدمير تلك الهالة المصطنعة للكثير من الوظائف وفقاً للآتي..
.. ان الوظائف اياِ كان موقعها ، يجب ان تتساوي جميعا من حيث خدمة وتحقيق الهدف العام للمنشأة ، وأن السلم الوظيفي وتقييم شاغليه لا دخل له بالوظيفة واهميتها ، وإنما يرتبط بالخبرة المتراكمة ..
فهناك بعض الوظائف التي يحتقرها البعض ويأنف منها ، ويزدري شاغلها ومؤديها تأففاَ وتكبراً وجهلا ، قد تكون اكثر اهمية من تلك التي يحفها البريق الزائف والوضع الاجتماعي المصطنع ، فبلاد ما ، يمكنها ان تستمر وتزدهر الحياة فيها ، في جو صحي معافي ، بلا وزراء يمثلون عبئاً عليها ، ولكنها تصبح مدينة طاردة ، ذات بيئة سيئة غير صحية ، تنتشر فيها الامراض ونواقلها ، اذا غاب عنها عمال النظافة وجامعوا القمامة .
... ان الوظيفة مهما كانت اهميتها ، يجب علي ممارسها ان يلتزم بحدود وصفها الوظيفي ضمن الإطار القانوني ، خاصة وظيفة الوزير او ما دونه في الهيكل من القيادات العليا ، فوظائفهم لا تعطيهم حقاً زائداً بنص الدستور ..
... وهنا يجب مراجعة مهام وظيفة الوزير وما دونه ، لتكون في خدمة الهدف الوظيفي ، وليس شاغلها ، وان يتم قفل اي نافذة تجلب منفعة ومصلحة له عبرها ..
لانه من الواضح ان كل الصراعات السياسية ، ليست من اجل الشعب ، ولكن من اجل المنصب ، خاصة منصب الوزير والمناصب القيادية الاخري ، لهذا يجب القضاء نهائياً علي البريق الزائف لهذه الوظائف ، ونزع السيادة المفتعلة لشاغلها ، والتمييز الايجابي المصطنع للقائم عليها ، الامر الذي يؤدي الي حالة الفرعنة التي تنتاش وتنتاب السوام والبهم والهوام منتفخي الأوداج من بعض شاغليها ، فهذا وضع يجب ان يصحح ، حتي تصبح وظيفة طاردة لا تستحق الصراع عليها ، او علي الاقل غير جاذبة ، الا بحقها ..
... ومن اهم القرارات المرتبطة بهذا الامر هو *عدم تحصين قرار شاغلها في حالة إنحرافه عن اللوائح ، او تجاوزها ، او وجود شبهة فساد في تطبيقها* ، وان تكون المسئولية هنا للمراقب ومن ثم المراجع الداخلي اذا كان هناك تجاوز مالي او مجرد شبهة فساد في معاملة او قرار ، وتنبيه المسؤول الاعلي بوقف إجراءاتها والتحقيق فيها ، أما في مجال التعاقدات ، فتكون الكلمة النهائية هنا للمستشار القانوني وفقاً للقانون المختص واللوائح المنظمة ، والذي هو نفسه يجب مراجعة عمله من الادارة العليا بوزارة العدل ، وهنا يحق لاي موظف التبليغ عن وجود اي شبهة فساد ، *إجمالا لا تحصين دستوري لقرارات الوزير* ..
... إيقاف القرارات القائَمة علي ما يسمي بالسلطة التقديرية في حالة وجود بنود واضحة تحكم مثل هذه القرارات ، او اذا خالفت القانون والعرف ومسار العدل ..
والامر الاهم هو إلغاء التمييز الايجابي ، الذي يعتبر تكسباً غير مشروع من الوظيفة مثل:
= التخلص من الحمولة الزائدة َالتي تجعل من الوظيفة محور صراع ، وذلك مثلاً بعدم تخصيص اي سيارة للوزير او لزوجته او لاولاده ، فالدولة وظفت الوزير ولم توظف ابناءه ، وعليهم ان يشقوا طريقهم بجهدهم مثل ابناء الشعب الاخرين ، وليس بسلطة ابيهم ..
كما ان الدولة لا تدخل معه غرفة نومه حتي تخصص سيارة لزوجته ، وهنا حكي لي احد الاشخاص ، ان عربة وزيرهم سافرت في مامورية لولاية بعيدة ، لان الست زوجة الوزير ، سمعت بأن حطب الطلح الموجود بتلك المنطقة ذو جودة عالية (منتهي السفه والانحطاط والفساد) ..
= يجب تقييد حرية التصرف في المال العام ، مثل التبرعات المشبوهة ، او الحوافز غير المستحقة ، وهذا باب يجب قفله نهائياً ، او بند النثريات ، والتي تصل الي مئات الملايين من الجنيهات شهرياً ، لان الوزير يحب العمل في المكتب بعد الدوام ، ويفضل جلب الغداء من امواج او مندي البيت اليمني ، او شواءات اولاد امدرمان ، والشعب في غِني عن أشعب وصحبه ..
احد الموثوقين ويعمل في مؤسسة حكومية مهمة جداً تنتشر في طول البلاد وعرضها ، قال لي بانهم يملكون عشرة الاف ثلاجة ساخن بارد في مكاتبهم ، وبعضها يتم تغذيته بعبوات المياه سعة 18 لتر يوميا ، أليس هذا فساداً ، الم يكن من الافضل شراء فلاتر مياه لكل وحدة ، وتوفير هذا النزف المالي الكبير ..؟
= ومن امثلة الهدر المالي السفر المتعدد للوزير علي الدرجة الاولي ، فهذا يجب تقييده ، كما بجب إلغاء تذاكر السفر للوزير ولمن يعولهم من زوجات وأبناء ، فهو ليس مغترباً في بلد اخر. حتي يمتاز هو وعائلته بهذه المزايا ، التي يسرق بها المتبطلون اموال الشعب المغلوب ظلماً ، فلا حق له في هذه الاموال ، ألا يكفي انها كانت احد اسباب دمار سودانير ..
لهذا يجب تعديل مزايا هذه الوظيفة ، وما شاكلها من وطائف ، تلك التي تخدم شاغلها علي حساب الاخرين ..
ولنتذكر انه رغم اهمية هذه الوظيفة ، فهي في حالات كثيرة اقل اهمية من وظيفة جامع القمامة التي لا يمكن الاستغناء عنها...
= لقفل الباب امام الاستفادة الغير مشروعة يجب ازالة اي مزايا إيجابية تحملها الوظيفة لحاملها ، مثل مزايا العلاج بالمؤسسات الخاصة او بالخارج ، بينما يتعالج الأخرون في مؤسسات الدولة ذات الإمكانات المحدودة ، فلا تفضيل في علاج ، والمرض ابتلاء لا تفضيل وإنتقاء فيه ، فالنفس واحدة والكل متساوون امام القانون ، فما الذي يجعل من روح الوزير وصحته اكثر اهمية من روح الخفير او الحارس الذي يحميه ؟
ومن المضحكات المبكيات ان تجد وزير الصحة يتعالج في مستوصف رويال كير الخاص ، والمواطن يتعالج في مستشفي البان جديد ، هذا اذا لم بسافر الي الاردن طلباً لعلاج اهمل توفيره في بلاده ، لانه اهتم بالانتفاع من الوظيفة ، اكثر من الاهتمام بتحقيق اهدافها ..
هذا اضافة الي امور اخري ، مثل الحراسات الخاصة بمنزله ، ولعائلته ، مع هدر الاموال في إنشاء وتأثيث المكاتب الفخيمة التي لا تخدم المواطن في شئ ، مع التخلص من الجيش الجرار الذي يحيط به من سكرتارية تعيق العمل ، وامنيين وسائقين وحراس شخصيين وعمال ضيافة ، والكثير من هذه السوالب التي إبتدعتها الانقاذ ..
إجمالاً يجب سلبها اي منافع غير شرعية لا تتوافق مع مبدأ دستوري يحدد بأن الناس سواسية امام القانون ، وأن يخلع عنها اي مزايا تجعل من شاغلها إنساناً فوق الاخرين ، وتفتح له باب التكسب والفساد ، يجب تدمير هذا الصنم نهائياً، حتي يعلم الاخرون ان هذا الشخص مثله مثل اي موظف عام ، يده مغلولة بالقانون ولايستطيع تجاوزه ، والا طالته يد العدالة ، فلا هو واسطة مسموعة ، او رمز ناهي مهاب الجانب ، او سلطة يدها طويلة ، لانها اذا طالت فالقانون سيساويها ..
قد يتسائل احد ما عن مقصدي من تناول هذه الوظيفة تحديداً دون الوظائف الأخرى ..؟
السبب الرئيسي هو انها تمثل ام الوظائف ، إذا تم اصلاحها فسوف ينصلح حال بقية الوظائف، وتعود للنظام حيويته ، فأصلح الراس ينصلح باقي الجسد ..
ولانها بوضعها الحالي تدعو شاغلها للفساد المقنن ، وتشجعه عليه ، نتيجة لعيب بنيوي في مهامها المبهمة ، المتجاوزة للقانون واالوائح ، ومزاياها الايجابية المتعدية للدستور ، ممثلاً في اهم ركائزه وهو المساواة والعدل ، الامر الذي جعل منها وسيلة للفساد المحمي بالقانون كما ذكرت .
وهي دعوة تهدف الي *تسويرها اخلاقيا ، وتصعيب إختراق إطارها الانساني السوي* ، حتي لا تنشرخ بنيتها العامة وتكون مرتعاً ومدخلاً للفساد ..
لهذا ادعو الي تدمير هيبتها الزائفة ، وإنزالها من وسيلة تكسب الي ممر خدمة عامة ، والعودة بها الي وضعها التكليفي وليس التشريفي ..
حرروها من هذا الزيف ، تتحرر الخدمة العامة ، وينكسر الفساد ..
وتذكروا فالوزير انطلاقاً من مهام الوظائف المختلفة ليس بأهم من الخفير ..
مشاركة الخبر علي :
