حديث الساعة الهام سالم منصور الإدارة الأهلية… جسر العفو وبوابة العودة إلى حضن الوطن
يخطئ البعض حين يردد أن الإدارة الأهلية كانت سبباً في الحرب أو جزءاً من مشهد الصراع، فهذه قراءة قاصرة تتجاهل طبيعة الدور الحقيقي الذي ظلت تلعبه الإدارة الأهلية عبر تاريخ السودان. فالإدارة الأهلية ليست مؤسسة حرب ولا جهة صراع سياسي، بل هي منظومة اجتماعية عريقة تقوم على الحكمة والتوازن وإدارة العلاقات بين مكونات المجتمع. والحقيقة أن دورها خلال السنوات الأخيرة تعرض للتجميد والتهميش، ممار أضعف قدرتها على التدخل المبكر واحتواء الأزمات قبل أن تتفاقم.
إن المجتمع السوداني بطبيعته مجتمع متشابك يقوم على الروابط القبلية والاجتماعية والعرفية، ولذلك ظلت الإدارة الأهلية تمثل العمود الفقري للاستقرار المحلي، فهي الأقرب إلى الناس والأكثر معرفة بتفاصيل حياتهم اليومية، وهي التي تمتلك القدرة على مخاطبة القواعد الاجتماعية بلغة يفهمونها ويثقون بها. ولهذا فإن أي مرحلة انتقالية أو مشروع لبناء السلام لا يمكن أن ينجح دون إعادة الاعتبار لهذا الدور الحيوي.
اليوم، ومع اقتراب البلاد من مرحلة تحتاج إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي، تبرز أهمية القيادات الأهلية والزعماء الاجتماعيين كقوة ناعمة قادرة على ترميم ما أفسدته الحرب. فهؤلاء الزعماء لا يقودون جيوشاً، لكنهم يقودون القلوب والعقول، ولديهم التأثير المباشر على أبنائهم وأفراد مجتمعاتهم، ما يجعلهم الأقدر على إقناع من انخرطوا في مسارات خاطئة بالعودة إلى جادة الصواب.
لقد جاء إعلان السيد القائد العام للقوات المسلحة السودانية بالعفو العام لكل من يتراجع عن الخطأ كخطوة استراتيجية تعكس رغبة في فتح صفحة جديدة، قائمة على التسامح بدلاً من الانتقام، وعلى الاستيعاب بدلاً من الإقصاء. وهنا يظهر الدور المفصلي للإدارة الأهلية باعتبارها حلقة الوصل التي يمكنها تحويل هذا الإعلان إلى واقع ملموس على الأرض، عبر التواصل المباشر مع المجتمعات المحلية، وتشجيع الشباب على الاستفادة من فرصة العفو والاندماج مجدداً في المجتمع.
فالإدارة الأهلية ليست مجرد إرث تقليدي أو بقايا نظام اجتماعي قديم، بل هي مؤسسة مجتمعية ذات جذور عميقة قادرة على الإسهام في صناعة السلام الأهلي. لقد أثبتت التجارب أن الحلول الأمنية وحدها لا تكفي لتحقيق الاستقرار، وأن السلام الحقيقي يبدأ من داخل المجتمع نفسه، من خلال المصالحات المحلية وإعادة بناء الثقة بين الناس، وهو الدور الذي ظلت الإدارة الأهلية تضطلع به عبر عقود طويلة.
وفي ظل التحديات التي تواجه السودان اليوم، تصبح الحاجة إلى صوت الحكمة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالمجتمع يحتاج إلى قيادات تجمع ولا تفرق، وتطفئ نار الفتن بدلاً من إشعالها، وتعيد الاعتبار لقيم التسامح والتعايش التي عُرف بها السودانيون عبر تاريخهم.
إن المرحلة القادمة ليست مجرد مرحلة ما بعد حرب، بل هي مرحلة إعادة صياغة الوعي الوطني، وبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المشاركة والمسؤولية المشتركة. والإدارة الأهلية، بما تمتلكه من رصيد اجتماعي وثقة شعبية، يمكن أن تكون حجر الزاوية في هذا التحول إذا ما تم تمكينها وإشراكها بوعي في مسارات بناء السلام والاستقرار.
فالسودان اليوم بحاجة إلى حكمائه، بحاجة إلى زعمائه الأهليين الذين يعرفون كيف تُدار الأزمات بالحكمة قبل القوة، وكيف يُعاد جمع الناس حول فكرة الوطن الواحد. لأن الوطن لا يُبنى بالسلاح وحده، بل يُبنى أيضاً بالكلمة الصادقة، والمبادرات الحكيمة، والقلوب التي تؤمن أن وحدة المجتمع هي الطريق الوحيد نحو مستقبل آمن ومستقر.
الثلاثاء١٧فبراير٢٠٢٦
مشاركة الخبر علي :
