متى نكون سودانيين فقط! محمد التجاني عمر قش
ظل السودان يعاني من بعض المشكلات الاجتماعية التي تعود جذورها إلى تاريخ السودان نفسه، أي من قبل ظهور الدولة السودانية بحدودها الجغرافية والسياسية المعروفة الآن؛ وأخطر هذه المشكلات هي النزعة القبلية والجهوية والعنصرية ودعوى التهميش بحجة أن بعض المناطق قد نالت قدرا من التنمية على حساب المناطق الأخرى وكان لها حظها من التعليم والمشاركة في السلطة والثروة على مر فترات الحكم الوطني منذ الاستقلال من ربقة الاستعمار.
وتفاقمت مشكلة القبلية والجهوية والعنصرية في السنوات الماضية حتى وصلت مرحلة الانفصال مثلما حدث في الجنوب، والاحتراب مثلما حدث في ودارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة، وظهرت حركات مسلحة كثيرة تحمل السلاح ضد الدولة تحت راية القبيلة ولم يقتصر الأمر على الجهات المذكورة، بل ظهرت نعرات قبلية في الشرق والشمال والوسط حيث كانت هنالك دعوة لإنشاء دولة البحر والنهر، وهذه دعوة انفصالية ذات طابع جهوي يقف وراءها بعض مسعري الفتنة في السودان. وتتمثل أسوأ انعكاسات النزعة القبلية والجهوية في الحرب الدائرة الآن ضد ما يسمى زعماً بدولة 56!
إزاء هذا الوضع الذي ينذر بتفتيت نسيجنا الاجتماعي وتمزيق الوحدة الوطنية فإن من الضروري إعلاء قيمة المواطنة التي يجب أن ترتب بموجبها الحقوق والواجبات، ولن يتحقق ذلك إلا إذا وجد نظام حكم راشد يساوي بين الناس بغض النظر عن الجهة أو القبيلة والانتماء الفكري والمعتقد، مع توزيع فرص التنمية واستيعاب الناس في الوظائف العامة سواء المدنية أو العسكرية وفق معايير الكفاءة والمؤهل والخبرة بعيدا عن المحاصصة والمحسوبية التي دمرت مؤسسات الدولة.
وسنكون سودانيين فقط عندما نُقدِّم الوطن على القبيلة، ونجعل الهوية الوطنية أوسع من الانتماءات الضيقة، ونحترم التنوّع في كل بقاع الوطن، ونرفض العنصرية، سواء كانت على أساس القبيلة أو الجهة مثلما حدث في دولة رواندا بفرض هيبة الدولة وتطبيق النظام بلا هوادة أو مجاملة لفرد أو جماعة؛ حتى نجعل العدالة فوق الولاءات، والقانون فوق الأشخاص.
والتاريخ السوداني مليء بلحظات اقتربنا فيها من هذه الروح، حيث خرج الناس تحت راية واحدة رغم اختلافاتهم لكن الانقسامات القبلية والسياسية عطّلت هذا الحلم مرارًا.عموماً أن نكون "سودانيين فقط " لا يعني إلغاء الهويات الصغيرة، بل يعني أن تكون المواطنة مظلّةً عليا تشمل الجميع.
ومن الضروري لتحقيق هذه الغاية إعادة نظام الخدمة المدنية إلى سالف عهده فقد كانت واحدا من العوامل التي مزجت الدماء والأنساب السودانية بالتعارف والتصاهر والتواصل عندما كان الشخص يذهب من حلفا ليعمل في الجنينة أو كادوقلي أو من بورتسودان ليكون موظفا في سودري أو بارا! دعونا نهتف سويا أنا سوداني أنا وليعش سوداننا رمزاً بين الأمم؛ وذلك بترك القبلية والجهوية والعنصرية فكلها من دعوات الجاهلية.
مشاركة الخبر علي :
