*نحن في الشدة بأس يتجلى* ----- *أبطال وفرسان ونجوم العيلفون السواطع في ملاحم التهجير والنزوح* ------ *مشاهد ومواقف* ------
*(سلسلة حلقات توثيقية متتالية ترصد سير أبناء العيلفون الأخيار في مختلف المواقع والساحات، الذين سطّروا أسماءهم بأحرفٍ من نور في سجل التاريخ، وبذلوا وجاهدوا واجتهدوا، وقدموا الغالي والنفيس دفاعا عن الأرض والعرض والكرامة والشرف كما توثّق كيفية تعاملهم مع هذه الملحمة في مختلف مراحلها وميادينها، ولن نغفل مواقف ودور القرى والمدن التي استقبلت فترة نزوحهم وأحسنت وفادتهم، إلى جانب نماذج مشرقة لطيورهم المهاجرة الذين أعطوا ولم يستبقوا شيئاً)*
*تقديم:*
*التاريخ ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل هو ذاكرة الأمم ومرآة الشعوب التي تعكس ماضيها لتستنير به في حاضرها وتصوغ به مستقبلها. غير أن كثيراً من صفحات التاريخ تموت قبل أن تُكتب، وبعضها الآخر يندثر في صدور الرجال وتذروه رياح النسيان وهناك فارقٌ كبير بين أن تشهد الحدث بعينك وترى تفاصيله حيّة نابضة، وبين أن يُروى لك بعد انقضاء زمنه، حيث تتداخل العواطف وتتشابك الروايات، وقد تتسلل إليه عوامل الطمس أو التزييف أو الافتراء.*
*لقد علّمنا التاريخ أن الأمم التي لا توثّق مآثرها وتضحيات أبنائها تترك فراغاً كبيراً في وعي أجيالها القادمة. فكثيرون، على سبيل المثال، لا يدركون أن الإمام / محمد أحمد المهدي، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس حين بدأ ثورته التي غيّرت مجرى التاريخ في السودان، لم يتجاوز السابعة والثلاثين من عمره، وأنه حين أسس دولته بعد تحرير الخرطوم وحتى وفاته لم يتجاوز الثانية والأربعين عاماً؛ كما أن كثيرين عاصروا فترات مفصلية في تاريخ البشرية ولم يدركوا عظمتها إلا بعد أن أصبحت جزءا من مسار الحضارة الإنسانية.*
*ومن هنا تنبع أهمية هذا التوثيق، في زمنٍ اتسعت فيه وسائل التقنية وتيسّرت فيه أدوات الحفظ والرصد والتسجيل. فقد يبدو ما يُكتب اليوم عاديا في نظر معاصريه، وقد لا يقرؤونه أو يأبهون به، وهذا أمر طبيعي ومتوقع؛ لكنه في حقيقته سيتحوّل في نظر الأجيال القادمة إلى شهادةٍ صادقة، ووثيقةٍ ناطقة، ومصدرٍ أصيل لفهم حقيقة ما جرى بعيداً عن التأويلات المغرضة أو الأجندات الخاصة.*
*إن ما شهدته العيلفون خلال ملحمة التهجير والنزوح لم يكن مجرد حدثٍ عابر، بل كان اختباراً حقيقياً لمعادن الرجال، وميداناً تجلّت فيه معاني الشجاعة والصبر والتكاتف والإيثار. فقد وقف أبناء العيلفون صفاً واحداً، كلٌّ منهم يؤدي دوره وفق ما استطاع، فكانوا مثالاً يُحتذى في الثبات، وصورةً ناصعةً في التضحية، وأنموذجاً حيّاً للعمل الجماعي حين تتكالب الخطوب.*
*وهذه السلسلة لا تسعى إلى تمجيد أفراد بقدر ما تهدف إلى حفظ الذاكرة* *الجماعية، وتوثيق نماذج مشرّفة من أبناء هذا المجتمع في المجالات كافة، ليبقى عطاؤهم حاضراً في وجدان الأجيال القادمة، وليكون نبراساً يهتدي به من يسيرون على دروب المسؤولية والانتماء.*
*سنبدأ – بإذن الله – في سرد هذه السير دون ترتيبٍ زمني أو اعتباراتٍ أخرى، فكل واحدٍ من هؤلاء الأبطال والنجوم يمثل قصة قائمة بذاتها، وسفراً مفتوحاً من العطاء والتضحية، وسجلاً خالداً في تاريخ العيلفون. ونرجو المعذرة إذا لم نوفِّهم جميعاً حقهم أو سقطت أسماءٌ جهلاً أو سهواً، فالأمر كبير ومتشعب، وما خفي من أحداث هذه الحرب وتداعياتها أعظم وأعمق أثراً.*
*ونسأل الله أن يوفقنا لقول الحق وتوثيق الحقيقة كما كانت، وأن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يكون وفاءً لمن قدموا وضحّوا، وأمانةً نحملها للأجيال القادمة، وشهادة نؤديها قبل أن نُسأل عنها.*
----
*(الحلقة رقم ٢)*
------
*البطل / برهان عبدالغني الداقريس*
*(نموذج لأبطال ساحة النزال)*

*في سياق هذه الملحمة التي عاشتها العيلفون، يبرز اسم الفارس البطل برهان عبدالغني الداقريس بوصفه نموذجا لشباب آمنوا بأن ساعة الشدّة هي لحظة اختبارٍ حقيقي للانتماء للأرض والوطن، وأن الرجال يُعرفون عند الملمات لا عند الرخاء.*
*تميز برهان بأنه كان من المشاركين في مختلف مراحل ملاحم العيلفون؛ قبل الاجتياح من قبل مليشيا الدعم السريع وأثناءه وبعده، فكان حاضراً في الميدان، ثابتاً في موقفه، مؤمناً بأن الدفاع عن الديار واجبٌ لا يُؤجَّل، وأن الأرض التي رُويت بعرق الآباء لا تُسلَّم إلا فوق أكتاف الرجال.*
*عندما تعرّضت العيلفون لاجتياحٍ من قبل مليشيا الدعم السريع في يوم الخميس الخامس من أكتوبر ٢٠٢٣ ، اتخذ برهان مع مجموعة من رفاقه الشباب موقفاً واضحاً؛ إذ آثروا البقاء في صفوف المدافعين، متقدمين الصفوف ضمن المستنفرين الذين شكّلوا خط الدفاع الأول، بالتنسيق مع وحدات من سلاح المهندسين، في صورةٍ جسدت وحدة الصف وتكامل الأدوار.*
*شهدت تلك الأيام عملياتٍ متواصلة من الكرّ والفر، ومحاولاتٍ لإعادة ترتيب الصفوف وتثبيت المواقع، وكانت المدينة تعيش ساعاتٍ ثقيلة يختلط فيها صوت الرصاص بدعوات الأمهات، وصبر الشيوخ بصلابة الشباب. وفي محيط (عمارة عبده حامد) بتاريخ ( ٢٠٢٣/١١/١٨) دارت واحدة من أعنف و اشرس المواجهات، حيث تجلّت معاني الثبات والتماسك، قبل أن تتبدل موازين المعركة مع وصول تعزيزات كبيرة لمليشيا الدعم السريع أحكمت الحصار من عدة محاور.*
*ولسنا هنا بصدد سرد تفصيلي للوقائع العسكرية، وإنما نقف عند جوهر الموقف الذي من أهم ملامحه أن فارسنا البرهان كان حاضرا في هذه الملحمة، وشهد أسر الفارس صلاح عبدالكافي ورفيقه الفارس الشاب أحمد الأمين سالم البشير، واستشهاد قائد هذه الملحمة في هذا الموقع (عمارة عبده حامد) الفارس البطل الشهيد ضياء الدين محمد الصديق، وهو من أبناء ولاية الجزيرة بضاحية مارنجان بعاصمة الجزيرة ود مدني، إلى جانب الشهداء من أبناء العيلفون؛*
*محي الدين أحمد خالد سعيد (أم قحف)،*
*الهادي الأمين أبا صالح (أم قحف)،*
*قمر الدولة جاد كريم الطيب صباحي(ام قحف )،* *وكان هذا الفارس من ضمن القوة التي حملت إمداد الذخيرة إلى موقع المعركة، فتم أسره ثم تصفيته في الحال ومن ضمن الفرسان الذين شاركوا في هذه الملحمة وتعرضوا إلى إصابات مباشرة/ الشيخ الوسيلة الطيب والفارس عبدالله بابكر الشيخ ادريس مضوي إلى جانب الفرسان :*
*عامر سعيد محمد الحسن - عابدين محمد نور عابدين - محمد بابكر الفقير - صهيب صلاح عبد الكافي- محمد مصطفى ابا صالح*
*هذه النماذج المشرفة نرويها – على سبيل المثال لا الحصر – لا لنستدعي الأحزان، بل لنحفظ العهد، ونثبت أن في هذه الأرض رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأن صفحات العيلفون لم تكتب بالحبر وحده، بل كتبت بالصبر والعرق والدموع.*
*ومن هذه المواقف البطولية تبرز معان راسخة لا تمحوها الأيام:*
*روح المسؤولية الجماعية*
*الشجاعة المقرونة بالوعي والبصيرة*
*الصبر عند اشتداد المحن*
*التضحية دون انتظار مقابل أو ثناء*
*لقد كان برهان مثالا لشباب العيلفون الذين يتقدّمون حين يتراجع غيرهم، ويثبتون حين تضطرب الصفوف، ويصنعون من المحنة مدرسةً للأجيال. ولم يكن وحده في هذا الميدان، بل كان واحدا من كوكبة من شباب العيلفون الذين* *سطروا صفحاتٍ مضيئة في ذاكرة مجتمعهم، وستتوالى سيرتهم العطرة تباعاً – بإذن الله – في هذه السلسلة، حتى يكتمل عقد الوفاء.*
*وستظل سيرة الفارس البطل برهان عبدالغني الداقريس عنواناً للثبات والرجولة، ورمزاً لمرحلة دقيقة من تاريخ العيلفون، مرحلةٍ سُطّرت بعرق الرجال وصبرهم وعزيمتهم، وستبقى شاهداً على أن في الشدة بأساً يتجلى، وفي المحنة معدن الرجال ينكشف.*
*إلى/ اللقاء في الحلقة الثالثة*
*وفي امان الله وحفظه*
*📕المصادر والمراجع :*
-----------
*تستند هذه الحلقات التوثيقية على التاريخ الشفهي وشهادات موثوقة يدلي بها شهود عيان وأصحاب صلة مباشرة بالاحداث بوصفها مصدرا حيا يعكس تفاصيل المرحلة موضوع التوثيق*
*مبارك صباحي*
*فبراير ٢٠٢٦*
مشاركة الخبر علي :
