الدكتور/ احمد التجاني محمد يكتب : 🌀قضايا في العقيدة والفكر (14) !! (التأويل والتفويض عند المتكلمين )
*التأويل لغةً مشتق من الأول بمعنى الرجوع، ويعني تفسير الكلام وبيان ما يؤول إليه أو عاقبته ، واصطلاحاً هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر محتمل يوافق الكتاب والسنة لدليل، أو هو تفسير المعنى الباطن للنص ، ويشير إلى الرجوع والعودة فالتأويل هو إرجاع الكلام إلى أصله ومقصوده ، وقد تعددت تعريفات العلماء للتأويل حسب المذهب والسياق، أبرزها: صرف اللفظ عن ظاهره: وهو نقل اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بوجود دليل يقتضي ذلك، مثل تأويل اليد في الصفات بالقدرة أو النعمة) وقيل التفسير هو بيان المعاني الظاهرة، والتأويل هو بيان المعاني الباطنة أما التفسير فيختص ببيان وضع اللفظ ومفرداته بينما التأويل يتعلق بالمعاني والجمل وما يؤول اليه*
*وهناك انواع للتأويل: تأويل (صحيح) وهو ما دل عليه دليل شرعي أو لغوي يرجح صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر للذهن وتأويل (فاسد) ، هو صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل صحيح، مثل تأويلات الباطنية التي تجعل الآيات رموزاً تخالف الحقائق.*
*قال الإمام ابراهيم اللقاني في الجوهرة : (كل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها) والأصل عند أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والمأتردية (التفويض) في أحاديث الصفات والأيات المتشابهة ، وذلك بإمرارها كما جاءت بلا كيف و لا معني، والتأويل سائغ بل جائز وقد ورد عن بعض السلف كإبن عباس والإمام أحمد (رضي الله عنهم) أنهم أولو بعض المتشابهات لا كما يدعي بعض المجسمة والمشبهة في زماننا هذا !!*
*وكل نصّ أوْهَم التشبيها أوّله أو فوض ورُمْ تنزيهًا وقد ثبت أن الله تعالى واجب الوجود منزه عن الحدوث, وعن مماثلة الحوادث, فإذا ورد في الكتاب أو السنة ظاهر يُوهِم خلاف ما وجب في حق لله تعالى, أو جاز في حقه, بأن يدل على ما يستحيل عليه (أوّله) والتأويل كما اشرت تقدم تعريفه هو (المرجع والمصير,) وقد يسمى التفسير تأويلاً قال تعالى: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) (الكهف 78). والتأويل عند المتكلمين : إخراج اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر يحتمله وليس هو الظاهر فيه أما التفسير فهو لغة : الكشف والإظهار, واصطلاحًا: بيان معنى الآية وما يتعلق بها من أسباب النزول والأحكام وغير ذلك مثال ما أوهم التشبيها: كقوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح 10) وسوف ياتي تفصيل ذالك في نهاية النقالة*
.
*وللتأويل شروط عند المتكلمين : اولا أن يكون ثمة موجب للتأويل ثانيا أن يكون اللفظ مُحتملاً ولو عن بُعد للمعنى الذي يؤول إليه, فلا يكون غريبًا عنه كل الغرابة ثالثا : أن لا يكون التأويل من غير سند بل يكون له سند مستمد من الموجبات وجه الحاجة إلى التأويل بعد العصور الأولى عند أهل السنة والجماعة*
*ويأتي التأويل اولا: اتباع لما أمرنا الله به من التسليم بالمتشابه والأخذ بالمحكم ثانيا : التأويل حق من أجل أن لا يقع المؤمن في متناقضات حين يقرأ من الآيات مثل اضافة العين إليه سبحانه والأعين واليدين والأيدي, وأنه في السماء وفي الأرض وهو مع خلقه أينما كانوا إلى غير ذلك من الآيات المتشابهة، بحيث إذا تركنا النصوص على ظاهرها وقعنا في التناقض, وهو محال في القرآن الكريم قال تعالي: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرً﴾) (النساء 82)*
*التأويل سواء كان إجماليًا أو تفصيليًا فهو المخلص الوحيد من التناقض ثالثا : التأويل سواء كان إجماليًا أو تفصيليًا فهو مسلك السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم, وهم أعظم الناس فهمًا للإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رابعا : التأويل المصرح به عند أهل السنة والجماعة هو الأمر العاصم للعامة والخاصة من الوقوع في التشبيه والتجسيم ، خامسا : يقصد بالتأويل التفصيلي عند الحاجة إليه ، سادسا : ومن شروط التأويل أن يكون وفق أصول العربية . (أو فوّض) أي بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره, فبعد هذا التأويل فوّض المراد من النص, وهذه طريقة السلف كما سيأتي (ورُمْ تنزيهًا) أي واقصد تنزيهًا له تعالى عما لا يليق به تعالي.*.
*إختلف العلماء الي قولين في الآيات والأحاديث المتشابهة القول الأول: وهو مذهب السلف ، ومنهم الأئمة الأربعة (الإيمان به مع اعتقاد تنزيهه تعالى عما يوهمه ذلك الظاهر) وتفويض علم حقيقته على التفصيل إليه تعالى بشرط أن لا يذكر إلا ما ورد في النص ولا يشتق منه اسم, ولا يبدل بلفظ مرادف, , وأكد الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في زاد المسير إجماع السلف على ألا يزيدوا على تلاوة الآية, وهذا ما يسمى بالتأويل الإجمالي.*
*القول الثاني: مذهب الخلف: تأويل المتشابه تأويلاً تفصيلاً ببيان المراد مثل تأويلهم (الاستواء على العرش بالاستيلاء ، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: " (والحاصل أن السلف والخلف مؤولون لإجماعهم على صرف اللفظ عن ظاهره, ولكن تأويل السلف إجمالي لتفويضهم إلى الله تعالى وتأويل الخلف تفصيلي لاضطرارهم إليه لكثرة المبتدعين) اذن العلماء علي مذهبَيْن في الآيات والأحاديث المتشابهة* *المذهب الأول : التفويض والمذهب الثاني: التأويل*
*ذكر العلماء نماذج من تأويل بعض الصحابة والسلف في بعض الآيات والأحاديث مثل قوله تعالى :﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (القلم 42) قال ابن مسعود رضي الله عنه: (عن أمر عظيم ) وقال ابن عباس رضي الله عنه: (وهو يوم القيامة, يوم كرب وشدة) كما جاء في تفسير ابن كثير ، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (الفجر 22) قال سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه: (أمره وقضاؤه ) كما أشار الشوكاني في تفسيره, وقال الإمام أحمد رضي الله عنه (المراد به قدرته وأمره ) كما ذكر القاضي أبو يعلى عنه في دفع شبه التشبيه ، وقوله تعالى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (الرحمن 27 ) (يقولون المراد بالوجه الذات) وقوله تعالى ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح 10) (المراد باليد القدرة) وقوله ﴿رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (النحل 50) (المراد بالفوقية التعالي في العظمة)*
*هذه نماذج من تفويض السلف: وقال الإمام مالك رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه 5)* *(الاستواء معلوم والكيف مرفوع والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ) وقال الإمام أحمد رضي الله عنه: ( استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر) . وقال الإمام الأوزاعي رضي الله عنه: (هو كما وصف نفسه)*
*إختلاف الفقهاء في الأرجحية بين مذهب السلف والخلف فذهب جماعة من العلماء إلى أن الأولى اتباع مذهب السلف إلا إذا اقتضى الحال, فيجب التأويل وذهب جماعة من العلماء إلى أن مذهب الخلف أعلم وأحكم لما فيها من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم, وهي الأرجح كما قال العلامة الباجوري رحمه الله تعالى, وطريقة السلف أسلم لما فيها من السلامة من تعيين معنى قد يكون غير مراد الله له.*
*التأويل والتفويض هما المسلكان المعتمدان لدى الأشاعرة في التعامل مع نصوص الصفات المتشابهة (الخبرية) لتنزيه الله عن التشبيه التفويض (مذهب السلف) هو إمرار النص كما جاء مع إثبات المعنى اللغوي وتفويض الكيفية لله، بينما التأويل (مسلك الخلف ) وهو صرف اللفظ عن ظاهره الحسي إلى معنى مجازي يليق بالله (كصرف اليد للقدرة)*.
*خلاصة الامر أن التفويض عند الأشاعرة علي قسمين ( التفويض الإجمالي)، وهو مذهب (السلف) ومعناه الإيمان بظاهر الآية دون التعرض لمعناها التفصيلي أو الكيفية، وترك معناها إلى (الله) ، (والتأويل التفصيلي) ، وهو مسلك (الخلف) ، ومعناه: صرف اللفظ من معناه الظاهر (الذي قد يوهم التشبيه) إلى معنى آخر تحتمله اللغة العربية يليق بجلال الله تعالي، " أخيرا 'يتضح أن التفويض هو السكوت عن المعنى مع إثبات اللفظ، والتأويل هو التصريح بمعنى مجازي، وكلا المسلكين عند الأشاعرة وجمهور المتكلمين من أهل السنة والجماعة يهدفان إلى التنزيه (لنفي الجسمية والمكان والجهة عن الله تعالي ) ، قال الإمام الرَّازِيُّ: أ(اللَّفْظُ إذا كانَ له حَقيقةٌ واحِدةٌ ثُمَّ دَلَّ دَليلٌ على أنَّها غَيْرُ مُرادةٍ وَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ على مَجازِه،*
*#والله أعلم بالصواب واليه المرجع والمأب وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم#*
〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️
*🌏شبكة المحيط الاعلامية*
*أضواء البيان نيوز (رائدة الإعلام الرسالي)*
*د.احمد التجاني محمد *استاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية رئيس التحرير*
*الأحد/18/رمضان/1447ه*
*الموافق/8/مارس/2026م*
مشاركة الخبر علي :
