*محجوب أبوالقاسم* *يكتب:* *هلت بشائر النصر*
لم يكن تزامن عدد من الانتصارات الميدانية التي حققها الجيش والقوات المشتركة والمستنفرين والمقاومة الشعبية والمخابرات والشرطة مع شهر رمضان المبارك مجرد مصادفة زمنية عابرة بل يحمل في طياته دلالات معنوية وتاريخية عميقة تعكس روح الصبر والإرادة التي ظل يتحلى بها الجيش والشعب السوداني في مواجهة هذه الحرب القاسية ومليشيا دقلو المتمردة.
فما تحقق في ميادين القتال خلال الشهر الكريم في أكثر من جبهة يؤكد أن الجيش رغم تعقيدات المشهد العسكري والسياسي وتشابكاته الإقليمية استطاع أن يستعيد زمام المبادرة تدريجيا وأن يفرض واقعا ميدانيا جديدا على الأرض عنوانه التقدم المتواصل وتضييق الخناق على المليشيا المتمردة.
ومن أبرز هذه المحطات المفصلية تحرير مباني الإذاعة والتلفزيون في أم درمان وهي خطوة لم تكن عسكرية فحسب بل ذات رمزية سيادية كبيرة فهذه المؤسسة التي تعد أحد أهم معالم الدولة وذاكرتها الوطنية واستعادتها كانت بمثابة إعلان معنوي بأن الدولة قادرة على استعادة مؤسساتها وأن التمرد مهما طال أمده لن يستطيع طمس هوية الدولة أو مصادرة تاريخها.
كما شهد رمضان الثاني من عمر الحرب تقدما ملحوظا للجيش في عدد من المواقع داخل العاصمة الخرطوم وهو تقدم أعاد الثقة إلى الشارع في قدرة القوات المسلحة على استعادة العاصمة ومؤسسات الدولة بعد معارك شرسة وتقلبات ميدانية قاسية.
وفي رمضان هذا العام فقد جاء حاملا بشائر جديدة تمثلت في تحرير مدينة بارا بولاية شمال كردفان وهي محطة مهمة في مسار العمليات العسكرية فبارا ليست مجرد مدينة عادية بل تمثل موقعا استراتيجيا مهما في إقليم كردفان وكانت تشكل أحد المسارات الحيوية لتحركات وإمدادات المليشيا واستعادتها تعني عمليا تضييق الخناق على المتمردين وقطع أحد شرايين الحركة والإمداد التي كانوا يعتمدون عليها.
هذه الانتصارات المتزامنة مع شهر رمضان تعيد إلى ذاكرة السودانيين صفحات مشرقة من التاريخ الإسلامي حين شهد هذا الشهر المبارك انتصارات فاصلة غيرت مجرى التاريخ مثل معركة بدر الكبرى وفتح مكة وهي محطات أثبتت أن الإيمان والصبر والعزيمة يمكن أن تصنع التحول في أحلك الظروف ومن هذا المنظور ظل رمضان عبر التاريخ شهرا للفتوحات الكبرى والانتصارات المفصلية عندما تتوافر الإرادة الصلبة والقيادة الواعية. وما يجري اليوم في السودان يبعث برسائل معنوية عميقة للشعب السوداني بأن الصبر الطويل يمكن أن يقود في نهاية المطاف إلى النصر وأن التضحيات التي قدمها السودانيون خلال هذه الحرب لن تذهب هباء وفي المقابل لا تجري معركة السودان بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة فالعالم من حولنا يشهد توترات متصاعدة واحتمالات اتساع دوائر الصراع وهي تطورات قد تعيد ترتيب أولويات الاهتمام الدولي بالسودان وستؤثر على طبيعة التفاعلات المرتبطة بالحرب سواء عبر الضغوط السياسية أو عبر أشكال الدعم المختلفة التي تتلقاها المليشيا من بعض الأطراف الإقليمية وعلى رأسها سلطة أبوظبي التي ظلت تدعم هذا التمرد.
ورغم كل هذه التعقيدات استطاع الجيش بإرادة الله وفضله وقوة وبسالة جنوده وجميع تكويناته ومن خلفها دعوات الشعب المكلوم استطاع خلال الفترة الماضية أن يعيد ترتيب صفوفه وأن يفتح جبهات عمليات متعددة في أكثر من محور الأمر الذي مكنه من تحقيق تقدم ميداني ملموس في عدد من المناطق وفرض معادلات جديدة على الأرض وتشير المؤشرات العسكرية إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تصاعدا في وتيرة العمليات الهادفة إلى استعادة المدن والمناطق التي لا تزال تحت سيطرة التمرد في إطار استراتيجية أوسع لإعادة بسط سلطة الدولة وإنهاء هذه الحرب التي أنهكت البلاد.
لقد عززت هذه الانتصارات المتلاحقة ثقة الشارع السوداني في قدرة الجيش على حسم المعركة واستعادة استقرار البلاد كما أكدت مرة أخرى أن الشعب السوداني ظل طوال هذه الحرب سندا حقيقيا لقواته المسلحة يقف خلفها في معركة الكرامة والوجود.
ومع استمرار أيام هذا الشهر الفضيل تتجه الأنظار إلى ميادين القتال بقلوب مليئة بالأمل أن يحمل ما تبقى من أيام رمضان المزيد من الانتصارات وأن يكتب الله نهاية قريبة لهذا التمرد البغيض وأن يعود الأمن والاستقرار إلى السودان وأن يحفظ الله جيشه وكل من سانده في معركة الدفاع عن الوطن وأن يكتب لهذا الشعب الصابر فجر جديد بعد ليل طويل من المعاناة.
ولنا عودة
8 مارس 2026م
مشاركة الخبر علي :
