*انهيار جبل الجليد* *عبد اللطيف السيدح*

لم يكن قرار إعفاء السيدة لمياء عبد الغفار وزيرة شؤون مجلس الوزراء، والمستشار السفير بدر الدين الجعيفري، مجرد إجراء إداري عابر في دفاتر الدولة، بل بدا للكثيرين كأنه أول صدع في جبل من الجليد ظل يخفي تحته أسرارا ثقيلة ووقائع مسكوتا عنها لسنوات. ذلك الجبل الذي تراكمت طبقاته من المجاملات السياسية، وتضارب المصالح،وقرارات الإقصاء التي أُلبست ثوب المصلحة العامة، بينما كانت في حقيقتها جزءا من صراع خفي داخل دهاليز السلطة.
وعندما تتحرك قمة الجبل، تبدأ الكتلة الغاطسة في الظهور، وتتكشف حقائق لو كتبت بمدادها الكامل لجعلت الولدان شيبا. وليس من المبالغة القول إن ما يجري اليوم يعيد إلى الأذهان واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الأشهر الماضية، تلك التي كان بطلها الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للحج والعمرة سامي الرشيد أحمد، الرجل الذي وجد نفسه خارج المشهد في ظروف لا تزال حتى اليوم تثير كثيرا من علامات الاستفهام.
لقد قيل يومها إن الإبعاد جاء في إطار إصلاحات إدارية، لكن المتابعين كانوا يدركون أن خلف القرار مؤامرة تمت حياكتها ضد الرجل لصالح مراكز نفوذ متعددة. وكان اسم لمياء عبد الغفار يتردد في كواليس ذلك المشهد لاسيما بعد إبعاد وزير شؤون مجلس الوزراء السابق، بعد أن أضحت أحد الفاعلين المؤثرين في صناعة القرار الذي أطاح بسامي الرشيد، مجاملة لمسؤولين نافذين ظلوا رغم كل العواصف جالسين في مكاتبهم داخل بعثة الحج السودانية، وكأن شيئا لم يكن، ولم تقف تلك التداعيات عند حدود ذلك الملف وحده، بل امتدت ظلالها إلى ملفات أكبر وأكثر تعقيدا، من بينها ما أثير حول اتفاقية جوبا للسلام وما صاحبها من جدل حول الوفاء بالعهود وتنفيذ الالتزامات. وقد كان نائب رئيس مجلس السيادة أحد الذين أشاروا في أكثر من مناسبة إلى حالات من التعثر والتلاعب السياسي الذي أضعف الثقة في بعض التعهدات التي قطعت في تلك المرحلة الحساسة من تاريخ البلاد، وهكذا تراكمت الأحداث كطبقات الجليد الصامتة، فالقرارات تتخذ في الغرف المغلقة، والرجال يبعدون فجأة، والملفات تطوى قبل أن تقرأ سطورها كاملة. غير أن التاريخ له طريقته الخاصة في إعادة ترتيب المشهد، وكثيرا ما يدور الزمان دورته ليجد بعض صانعي القرارات أنفسهم في الموقع ذاته الذي وضعوا فيه غيرهم.
واليوم ومع خروج لمياء عبد الغفار من موقعها، يرى كثيرون أن المشهد يحمل مفارقة لافتة فالأقدار السياسية كثيرا ما تعيد الكأس إلى من سقى بها غيره. وكأن الرسالة الخفية في هذا التحول تقول إن السلطة ليست مقاما دائما، وإن القرارات التي تبنى على المجاملة أو تصفية الحسابات قد تعود في يوم ما لتطرق باب أصحابها.
إن ما حدث لا ينبغي أن يقرأ فقط باعتباره تغييرا في المناصب، بل فرصة لفتح ملفات ظلت حبيسة الأدراج، ولإعادة النظر في الطريقة التي تدار بها المؤسسات العامة. فالدولة التي تسعىإلى الاستقرار لا بد أن تقوم على الشفافية والمحاسبة، لا على توازنات خفية تدار خلف الستار، وربما يكون انهيار جبل الجليد الذي بدأ اليوم مقدمة لظهور الحقيقة كاملة، تلك الحقيقة التي انتظرها كثيرون طويلا أملا في أن يكون المستقبل أكثر عدلا وانصافا للذين ظلمتهم المؤامرات ، وأن لا تتكرر في مؤسسات الدولة مآسي الإقصاء التي صنعت جراحا ما زالت مفتوحة في ذاكرة الخدمة العامة.
مشاركة الخبر علي :
