الدكتور/ أحمد التجاني محمد يكتب : 🌀 قضايا في العقيدة والفكر (22) (معطلة العرب !!) 〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️
*"معطلة العرب " مصطلح قديم ، لكنه قليل الإستخدام والشيوع ، وقل ما تجده في المفردات أو الاصطلاحات التي تتردد بكثرة في السياقات اللغوية اليومية، أو العلمية لتخصصية مما يجعل فهمه مقتصراً على المتخصين بهذا المجال* ،
*(معطلة العرب) هم صنف من العرب في الجاهلية أنكروا وجود الخالق، والبعث، وإعادة الخلق، قائلين (بـالطبع المحيي) (والدهر المفني)، حيث اعتقدوا أن الحياة والموت نتيجة لطبائع العالم المحسوسة، وأنكروا وجود صانع حكيم للكون، وقد أخبر القرآن الكريم عنهم بقوله تعالى : {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} ومن أبرز صفاتهم وعقائدهم: إنكار (الله عز وجل) وأنكروا أن يكون لهذا الكون خالق، ونسبوا التدبير إلى الطبع أو الدهر ، وإنكار البعث والنشور معتقدين أن الحياة الدنيا هي نهاية المطاف ، ولا بعث بعدها، كما ورد في الآية: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وما يهلكنا إلا الدهر }وقد اطلق عليهم أهل العلم وصف (الدهرية) لأنهم ينسبون الأحداث والموت إلى مرور الوقت، وكان العرب المعطلة علي فرق منهم من أنكروا الخالق، والبعث، والإعادة وقالوا ( بالطبع المحيي)، (والدهر المفني)*
*واشار" الشهرستاني " في الملل والنحل أن العرب قبل الاسلام كانوا على عقائد متفرقه، وكان فيه قوم عرفوا بتعطيل بعض (اصول الايمان) فسماهم العلماء بمعطلة العرب، لانهم غيروا الاعتقاد ، وبدلوا الديانة الحنفية السمحة التي بعث بها (سيدنا إبراهيم عليه السلام) وعطلوا الإعتقاد الصحيح في المسائل كبرى، (مثل وجود الخالق، او البعث بعد الموت، او ارسال الرسل ) ولم يكونوا طائفة واحدة، بل كانوا اصنافا مختلفة ، بحسب ما انكروه من هذه الاصول !!*
*الصنف الأول:*
*قوم اذكروا (الخالق والبعث والاعادةجميعا) وزعموا ان الحياه ان ما تجري بطبيعة الأشياء وان الفناء انما يقع بحكم الدهر، فجعلوا الطبيعه سبب الحياة، والدهر سبب الموت و انكروا أن يكون للعالم خالق مدبر يعيده بعد فناءه ، وقد اشار القران الى قولهم فقال تعالى: (وقالوا ما هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا الا الظهر) ثم رد عليهم القران بإقامة الدليل على الخالق من ايات الكون ودعوة الإنسان الي التفكر ، فقال تعالى :(اولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنه ان هو الا نذير مبين ) وقال: (او لم ينظروا في ملكوت السماوات والارض ) وقال: (انئكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين ) وقال( يا ايها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم) فرد عليهم القران في إقامة الدليل على ان الخلق دليل على الخالق، وان القادر على الايجاد اول مرة قادر على الإعادة*
*الصف الثاني:*
*قوم اقروا بوجود (الخالق وانه إبتدأ الخلق اول مرة) لكنهم انكروا البعث والا عادة بعد الموت ، وكان يستبعدون ان تعود الاجساد بعد ما تبلي وتصير عظاما وترابا فجادلهم القران الكريم بالنشأة الاولى فقال تعالى: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي انشاها اول مرة وهو بكل خلق عليم ) (وقال افعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد)*
*الصف الثالث :*
*قوم اقروا بوجود الخالق ونوع من الاعادة لكنهم انكروا الرسالة وعبدوا الأصنام فجعلوها وسائط بينهم وبين الله يتقربون اليها بالذبائح والنذور والمناسك وكان انكارهم للرسالة مبنيا على أن يكون الرسول بشر مثلهم كما قالوا : ( وقالوا مالهذا الرسول ياكل الطعام ويمشي في الاسواق) فرد القران عليهم بقوله تعالى (وما ارسلنا قبلك من المرسلين الا انهم لياكلون الطعام ويمشون في الاسواق) هكذا يتبين أن معطلة العرب لم يكونوا مذهبا واحدا، بل كانوا اصناف متفرقة يجمعهم تعطيل بعض اصول الايمان: (فمنهم من عطل الايمان) ومنهم من " عطل الايمان بالبعث " ومنهم من عطل الايمان" بالرسالة" وجعل الاصنام وسائط بينه وبين الله ، فجاء الاسلام فهدم هذه المعتقدات، واقام بدلا منها اصل التوحيد والايمان بالخالق والبعث والنشور والرسالة*
*القرآن الكريم رد على الدهريين ومنكري وجود الله (الملحدين) بأسلوب عقلي فطري، يرتكز على إستحالة وجود الخلق بلا خالق، وتفنيد مزاعمهم بأن "الدهر" أو "الطبيعة" هي المدبرة للكون بقوله تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور: 35)، والآية تحصر الاحتمالات في ثلاث قضايا :( إما وجود بلا سبب،) وهو (مستحيل)، (أو أنهم خلقوا أنفسهم) ، وهو أيضا (مستحيل)، أو وجود (خالق واجب الوجود) (جل جلاله). ثم جاء قوله تعالي:{ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ} والاية هنا وصفت بأنها تضع العقل أمام حتمية وجود الخالق، للرد على فكرة إهلاك الدهر (الزمن) : قال تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} (الجاثية: 24) كما أوضحت هذه الآية أن قولهم لا يستند إلى دليل علمي بل هو توهم وظن (وان الظن لا يغني عن الحق شيئا)*
*الاستدلال القراني خاطب العقل بصورة مباشرة : فقال تعالى:*
*{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} (الأنبياء: 30)، وفي الاية إشارة إلى ضرورة وجود صانع أوجد المادة من العدم، فقال لهم : أنتم أنكرتم أن يكون لهذا الكون خالقا ، ولم تصدقوا أن تكون سفينة من غير قائد ، فاعترفوا وأقروا !!*
*إثبات وجود الخالق المدبّر بطلان نسبة الخلق للدهر (الزمن أوالطبيعة)، وقد فصل جمال الدين الأفغاني في كتابه (الرد على الدهريين) ذالك مؤكداً أن المذهب المادي يمحو الأديان ، ويفسد الأخلاق (بإباحة الأموال والأعراض) ، ويهدم المدنية عبر نزع الحياء والأمانة ،وبطلان قِدم المادة إنكار وجود خالق والقول بأن الطبيعة هي السبب الأول، يخالف العقل؛ فالمادة حادثة ومحتاجة لمُحدِث، والطبيعة عاجزة لا تدبّر نفسها وهذا اس الإفساد الأخلاقي والاجتماعي في هذا المذهب الدهري اذ يؤدي إلى (الإباحية) المطلقة، والنزوع للشهوات البهيمية، مما يؤدي إلى انهيار المجتمعات، وانفراط عقد القيم كالصدق والأمانة.*
*(البرهان) العقلي يثبت النظام الدقيق في الكون، والتناسق بين الكائنات، اذ يثبت وجود (خالق مدبر وحكمة عليا) ولا يمكن للصدفة او الدهر الأعمي أن يوجد هذا النظام البديع ، ويري (الأفغاني) أن التاريخ والواقع أثبتت التجربة التاريخية أن الحضارات التي تنكر وجود الخالق وتعتمد على المادية، تتسم بالعدوانية وتهدم الأخلاق الإنسانية ، والدهرية هي طريق "النيتشرية " التي تسعى لتعطيل الفضائل وتحويل الإنسان إلى حيوان مادي لا غاية له سوى الشهوة لان إنكار الحياة بعد الموت، واعتبار مقصد الحياة الدنيا الشهوة البهيمية فتتحرر النفوس من الأخلاق، وتمارس العدوان والقتل والسلب وهتك الأعراض والغدر والخيانة، وارتكاب الجور والفجور*
*الدهريّة هو اعتقاد فكري ظهر في فترة ما قبل الإسلام، ويشتقّ المصطلح من الدهر لاعتبارها الزمان أو الدهر السبب الأول للوجود وأنّه غير مخلوق ولا نهائي، وتعتبر الدهريون هم الذين يَنسبون الوقائع والحوادث إلى الدهر، ولا ينسبونها إلى الله تعالي {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يهلكنا الا الدهر)*
*الامام ابراهيم اللقاني في جوهرة التوحيد قالذ: (وكل ما جاز عليه القدم عليه قطعا يستحيل العدم) بهذا قرر قاعدة عقائدية مفادها: أن كل ما ثبت قدمه (وجوده الأزلي) استحال عليه العدم (الفناء) هو دليل عقلي على بقاء الله تعالى، حيث أن القديم واجب الوجود، وواجب الوجود لا يقبل العدم، فبقاءه ضروري ، لان الله تعالى قديم، والقديم لا يلحقه العدم . ولو جاز لحوق العدم بالله لكان وجوده جائزاً لا واجباً، وهذا محال عقلاً، لأن الوجود الواجب هو الوجود الذي لا يقبل العدم وهو عقيدة أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والمأتردية وما احوجنا اليوم لترسيخ هذه العقيدة الصحيحة للامة للتصدي للفكر السقيم خاصة بعد أن كثرت في السنوات الأخيرة ظاهرة الملاحدة والدهريين وسودانيون لادينون وسط المجتمعات المتعلمة!! .*
*#والله أعلم بالصواب واليه المرجع والمأب وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم#*
〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️〰️
*🌏شبكة المحيط الاعلامية*
*اضواء البيان نيوز (رائدة الإعلام الرسالي)*
*د.احمد التجاني محمد* *أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية رئيس التحرير*
*الثلاثاء /28/رمضان /1447ه*
*الموافق/17/مارس/2026م*
مشاركة الخبر علي :
