*الحج والعمرة بين مطرقة التبعية وسندان الإصلاح المؤسسي* *كتب: محمد عثمان الرضي*
أصبحت قضية تبعية ملف الحج والعمرة لمجلس السيادة واحدة من القضايا التي تفرض نفسها بقوة على طاولة النقاش العام، في ظل التعقيدات المتزايدة التي تحيط بإدارة هذا الملف الحيوي.
لم يعد الحديث عن تطوير إدارة الحج والعمرة ترفاً إدارياً، بل تحول إلى ضرورة وطنية تقتضي إعادة النظر في البنية المؤسسية التي تدير هذا القطاع شديد الحساسية.
إن نقل تبعية الحج والعمرة إلى مجلس السيادة يمثل خطوة استراتيجية تهدف إلى تحصين هذا الملف من التجاذبات السياسية والتدخلات الإدارية التي أضعفت أداءه خلال السنوات الماضية.
هذه الخطوة، إن تمت، ستمنح المجلس الأعلى للحج والعمرة ثقلاً سيادياً يعزز من قدرته على اتخاذ قرارات حاسمة بعيداً عن الضغوط المتعددة.
كما أن إشراف أعلى سلطة في البلاد على هذا الملف يفتح الباب أمام تطبيق أعلى معايير الشفافية والمساءلة، وهو ما ظل غائباً في كثير من المراحل السابقة.
من أبرز مكاسب هذه التبعية أنها تحد من التدخلات الأفقية والرأسية التي كثيراً ما أربكت سير العمل، وأدخلت الاعتبارات الشخصية والسياسية في ملفات يفترض أن تكون مهنية بحتة.
غير أن نجاح هذه الخطوة يظل مرهوناً بشرط جوهري لا يمكن تجاوزه، وهو اختيار الأمين العام للمجلس الأعلى للحج والعمرة وفق معايير دقيقة وواضحة.
هذا الاختيار يجب أن يتم عبر تنافس حر ومفتوح، وعلى الملأ، بما يضمن وصول الشخص الأكثر كفاءة وخبرة، بعيداً عن المحاصصات والترضيات.
المرحلة القادمة تتطلب قيادة تمتلك فهماً عميقاً لتعقيدات ملف الحج والعمرة، وقادرة على التعامل مع تحدياته بروح احترافية عالية.
كما أن التأهيل الأكاديمي والخبرة العملية يجب أن يكونا في مقدمة معايير الاختيار، لأن إدارة هذا الملف لم تعد تحتمل التجريب أو التعلم على حساب الحجاج والمعتمرين.
إن وجود قيادة قوية ومؤهلة سيمكن المجلس من بناء مؤسسات حقيقية قادرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة بكفاءة.
تبعية الحج والعمرة لمجلس السيادة ستمنح هذا الملف أيضاً بعداً سياسياً إيجابياً يعزز من علاقاته الخارجية، خاصة مع السلطات السعودية.
هذا البعد يتيح فرصاً أوسع للتنسيق والتفاهم، بما يسهم في تسهيل إجراءات الحجاج والمعتمرين وتحسين جودة الخدمات المقدمة لهم.
كما أن التعامل مع الجانب السعودي عبر قناة سيادية يمنح الملف قوة تفاوضية أكبر، ويعكس جدية الدولة في إدارة هذا القطاع.
التحول المقترح لا يعني فقط تغيير جهة الإشراف، بل يمثل بداية لإصلاح شامل يعيد ترتيب أولويات العمل ويضع مصلحة الحاج والمعتمر في المقدمة.
ومن المهم أن يصاحب هذا التحول بناء أنظمة رقابية صارمة تمنع أي تجاوزات أو فساد قد يضر بسمعة البلاد.
الشفافية يجب أن تكون عنوان المرحلة، من خلال إعلان كل الإجراءات والقرارات المتعلقة بالحج والعمرة للرأي العام.
كما أن إشراك الخبراء وأصحاب المصلحة في تقييم الأداء يعد خطوة ضرورية لضمان الاستمرارية في التطوير.
التجارب السابقة أثبتت أن غياب الرقابة الفعالة كان أحد أسباب التراجع، وهو ما يجب تلافيه في أي هيكلة جديدة.
المرحلة المقبلة تحتاج أيضاً إلى تحديث البنية التكنولوجية لإدارة الحج والعمرة، بما يواكب التطور العالمي في هذا المجال.
الاعتماد على الأنظمة الرقمية يسهم في تقليل الأخطاء، ويعزز من كفاءة الأداء، ويوفر خدمات أفضل للحجاج والمعتمرين.
كما أن التدريب المستمر للكوادر العاملة يمثل حجر الزاوية في أي عملية إصلاح حقيقية.
في النهاية، فإن تبعية الحج والعمرة لمجلس السيادة ليست هدفاً في حد ذاتها، بل وسيلة لإعادة بناء هذا الملف على أسس سليمة.
ويبقى التحدي الأكبر في حسن التنفيذ، لأن القرارات مهما كانت قوية تفقد قيمتها إذا لم تجد طريقها إلى التطبيق الصحيح.
إن نجاح هذه الخطوة سيشكل نقطة تحول حقيقية في تاريخ إدارة الحج والعمرة، ويعيد الثقة في قدرة الدولة على إدارة ملفاتها الحيوية بكفاءة واقتدار.
مشاركة الخبر علي :
