عبد اللطيف السيدح يكتب: *إقصاء العبارة الكنزي جريمة في حق حجاج السودان!!!.*
المشهد الآن لا يثير الدهشة، فقط بل يزيده اشمئزازا، والسؤال الكبير العريض الذي يرفض أن يمر عبر البلاعيم الضخمة من الذي أقصى العبارة الكنزي؟ وهى التي أرست تجربة إنسانية مميزة لحجاج السودان، عندما تشرفت بنقلهم عبر البحر موسم الحج الماضي، لكن وبقول واحد لا يقبل المحاججة هو أن معيار اختيار النواقل البحرية هذه السنة لم يكن مستنداً على الكفاءة ولا التجربة ولا رضا الحجاج، بل شيء آخر تمت إدارته في غرف لم يعرف الإمداد الكهربائى طريقاً إليها، وكتبت سطوره بعيدا عن أعين الناس، وإن لم يكن ذلك كذلك فدعونا نسأل بكل أريحية وعدم خمة نفس أي عقل هذا الذي إتخذ قرارا بإبعاد جهة أثبتت نجاحها وبشهادة حجاج العام الماضي الذين اعتلوا ظهرها وناموا في غرفها جيئة وذهابا ؟ وأي منطق هذا الذي يعاقب الإحسان ويكافئ الغموض؟ فالباخرة الكنزي لم تكن مجرد ناقل بحري بل كانت تجربة متكاملة، وذلك منذ انطلاق موسم حج عام 1446 هـجرية، فقد قدمت نموذجا يحتذى انضباط، احترام، خدمات، راحة، وأهم من ذلك كرامة الحاج. لأنها لم تكن رحلة عبور، بل كانت بداية روحانية تليق بضيوف الرحمن، والشاهد ليس بيانا إعلاميا ولا دعاية مدفوعة، بل ألسنة الحجاج أنفسهم، التي ما زالت حتى اليوم تلهج بالدعاء لإدارة الكنزي، وربانها، وملاحيها، وعاملِيها، ولكل من وقف خلف هذا العمل الذي جمع بين المهنية والإنسانية، لكن يبدو أن هذه الشهادات لا تقرأ في مكاتب القرار، أو ربما تقرأ ثم يقذف بها في أقرب سلة مهملات.
وبينما ينتظر حجاج 1447 هـ خبرا مفرحا بتجديد التعاقد مع الكنزي، جاءهم القرار الفاجعة كهدية قبيل اكتمال اجراءاتهم ، فقد تم إبعاد العبارة الكنزي دون تفسير مقنع، دون حيثيات، دون النزول لرغبات وأشواق الحجاج، مما يعني"أخنق فطس" رغم أن الكنزي وفي خطوة تؤكد حسن نيتها قدمت عرضا يقل عن غيرها بمبلغ 250 ريالا للحاج الواحد، متنازلة عن جزء من أرباحها كهدية لضيوف الرحمن، وهنا يحار المرء ويسأل؟ ما الذي تريده لجان الاختيار أكثر من ذلك؟ خدمة ممتازة موجودة، وتجربة ناجحة مثبتة، وسعر أقل متحقق، ونية طيبة واضحة.؟ إذن لماذا الإقصاء؟ والإجابة التي تتردد في العلن والكواليس أن للمنافسين ظهر (والعندو ضهر ما بنجلد فوق بطنو) .
وهنا نصل إلى عين الحقيقة فالعيب ليس في الكنزي، بل في منظومة القرار نفسها، لا سيما إذا تحولت لجان الاختيار إلى أدوات في يد أصحاب النفوذ، وعندما يكون الظهر قويا، فلا تسأل عن العدالة، بل أسأل عن من التالي في قائمة الإقصاء؟ إن أخطر ما في هذا القرار ليس فقط ظلم الكنزي، بل الرسالة التي يبعثها للجميع، اجتهدوا واعملوا كما تشاؤون لكن توقعوا الإقصاء في أي لحظة.
وربما يظن البعض أن المتضرر هو شركة تم استبعادها، لكن الحقيقة أعمق وأخطر فالمتضرر الحقيقي هو الحاج ذلك الرجل البسيط الذي جمع ماله بعرق السنين، وتلك المرأة التي ادخرت حلم العمر، وهؤلاء الشيوخ الذين لا يحتملون مشقة الوسيلة فوق مشقة السفر. لأن قمة السعادة عندهم في (الدار الوسيعة، والدابة السريعة، والمرة المطيعة). وتهمهم الراحة، والأمان، والتنظيم، والكنزي قدمت ذلك لحجاج الموسم الماضي. فماذا ينتظرهم الآن سوى المجهول؟، وربما تبدأ المعاناة قبل أن تبدأ الشعائر!! وهذه ليست مبالغة بل قراءة واقعية لما يحدث حين تقصى الكفاءة.
وما لا يعرفه الذين أبعدوا الكنزي أن قرارهم لن يوقفها عن شق عباب الموج بكل، سرعة، وعظمة، وهدوء، وثقة، كعادتها الموسومة بها في المهنية الواضحة، بينما سينتظر ووا أسفاه حجاج السودان هذا على أرصفة الانتظار طويلا هذا الموسم، وستعلو حواجبهم علامات القلق، ويبحثون عن الحد الأدنى من الراحة.
وسيحدقون في البحر مليا، لكن ليس كل من يرى البحر يركبه، فلقد حرموا من خيار كان يمكن أن يخفف عنهم عناء الرحلة، ليس بسبب فني بل لقرار إداري ، والسؤال الذي يجب أن يطرح الآن وبكل وضوح، من يطعن في قرارات لجنة الاختيار؟ وهل هناك معايير معلنة؟ وهل توجد شفافية؟ أم أن الأمور تدار بالاستناد على الأظهر وتنفذ القرارات ثم التبرير لاحقا؟ وإذا تم استبعاد الكنزي رغم كل هذه المعطيات، فإما أن المعايير معيبة، أو أن التطبيق غير سليم. وفي الحالتين الكارثة واحدة.
فلا أحد فوق النقد، ولا قرار فوق المساءلة، وما نكتبه ليس دفاعا عن شركة بقدر ما هو دفاع عن مبدأ
أن يكافأ المجتهد.
وأن يحترم الحاج.
وأن تدار الملفات الحساسة بشفافية.
ومن يظن أن مثل هذه القرارات ستمر دون أن يلقي لها الناس بالا، فهو يراهن على صمت لم يعد مضمونا، فدرجات الوعي ارتفعت،
والناس تقارن، والحجاج لم يعودوا يقبلون بأي مستوى يفرض عليهم، والخلاصة تقول إذا فعلا تم التشبث بالقرار فإنه قد سقط حتى لو نفذ، لأن الحقيقة لن تتغير
وهذا القرار
ضعيف الحجة.
ومليء بالشكوك.
والأخطر أنه يضرب الثقة في مقتل.
الثقة في اللجان.
الثقة في العدالة.
الثقة في أن الأفضل هو من يتم اختياره.
أما الكنزي إن لم يعاد النظر في العطاء الذي تقدمت به فستخرج من هذا المشهد مرفوعة الرأس، لأنها قدمت ما عليها وزيادة، أما من أقصوها، فسيظل السؤال جاثما على مناضدهم (شوكة حوت لا تنبلع لا تفوت).
لماذا أقصيتم العبارة الكنزي؟
مشاركة الخبر علي :
