*بقلم د.سعاد فقيري* *تقيل إنت… ونعيد نحن:* *قرارات إقالة تُعاد تدويرها في وزارات أخرى!*
لم تعد قرارات الإقالة في مؤسسات الدولة تعني ما يفترض أن تعنيه من محاسبة أو تصحيح مسار، بل تحولت – في كثير من الأحيان – إلى مجرد عرض إداري هزيل، عنوانه الصخب ومضمونه الفراغ. يُقال المسؤول اليوم تحت لافتة الإصلاح، ليُعاد تعيينه غدًا في موقع آخر، وكأن الدولة لا تعاني من أزمة كفاءة بقدر ما تعاني من أزمة ذاكرة.
هذه الظاهرة ليست مجرد خلل إداري عابر، بل هي انعكاس مباشر لثقافة مؤسسية مأزومة، تُفرغ القرارات السيادية من محتواها، وتحوّلها إلى أدوات لإعادة توزيع ذات الوجوه، بدلًا من تجديد الدماء أو ضخ الكفاءات.
فما الرسالة التي تصل للمواطن حين يرى المسؤول المُقال يعود إلى الواجهة في موقع مختلف؟ أي مصداقية تبقى لخطاب الإصلاح؟ وأي هيبة تبقى لمؤسسات يفترض أنها تحاسب وتُقوّم؟
إن الإقالة، في جوهرها، فعل سياسي وإداري جاد، يُفترض أن يستند إلى تقييم موضوعي للأداء، وأن يتبعه مسار واضح للمساءلة أو الإبعاد. لكن ما يحدث هو العكس تمامًا:
إقالات بلا معايير معلنة، وتعيينات بلا مبررات مقنعة، في مشهد أقرب إلى “تدوير المناصب” منه إلى إدارة دولة تبحث عن الكفاءة والإنجاز.
الأخطر من ذلك أن هذه السياسة تُكرّس ثقافة الإفلات من المسؤولية.
فالمسؤول لا يخشى الفشل، لأنه يعلم أن أقصى ما قد يواجهه هو “نقله” إلى موقع آخر، ربما أكثر هدوءًا أو حتى أكثر نفوذًا. وهنا تتحول الوظيفة العامة من تكليف إلى امتياز دائم، ومن مسؤولية إلى شبكة أمان.
إن استمرار هذا النهج يُضعف ثقة المواطن في الدولة، ويضرب في عمق فكرة العدالة الإدارية.
فكيف نُقنع الكفاءات الشابة بالانخراط في العمل العام، بينما تُدار المواقع الحساسة بمنطق العلاقات وإعادة التدوير؟ وكيف نتحدث عن إصلاح مؤسسي حقيقي في ظل غياب معايير الشفافية والمحاسبة؟
المطلوب اليوم ليس فقط إيقاف هذه الحلقة المفرغة، بل إعادة تعريف مفهوم الإقالة نفسه:
أن تكون قرارًا حاسمًا، يُبنى على تقييم واضح، ويُتبَع بمحاسبة حقيقية، لا مجرد إعادة تموضع.
كما أن التعيين يجب أن يكون قائمًا على الكفاءة والاستحقاق، لا على إعادة تدوير الأسماء.
الدولة التي تُقيل لتُعيد التعيين، لا تُصلح… بل تُراكم أخطاءها في مواقع مختلفة.
والإصلاح الحقيقي يبدأ حين تصبح القرارات ذات معنى، والمناصب مسؤولية لا ملاذًا، والمساءلة قاعدة لا استثناء.
أما غير ذلك، فسنظل ندور في ذات الحلقة:
تقيل إنت… ونعيد نحن.
مشاركة الخبر علي :
