عبد اللطيف السيدح يكتب: *بدعة القرعة اللئيمة تحرم آلاف السودانيين من أداء فريضة الحج ؟*
طفق آلاف السودانيين الراغبين في أداء فريضة الحج هذا العام، وتم استبعادهم بسبب نظام القرعة (البدعة) على حج السودان يبحثون عن جهات أخرى كوكالات السفر التي انتهت حصتها هى الأخرى وغلقت أبوابها، وقالت لهم عودوا حيث قدمتم أوراقكم في ولاياتكم لتنالوا حظكم من حصة حج القطاع العام.
ومثلنا الدارجي يقول"تاباها مملحة تكوس لها قروض ما تلقاها" وهو مثل عميق المعنى يصف ببساطة أنك تجد فرصة ثمينة بكل فوائدها ومغرياتها لكنك ترفضها بسوء تقديرك ثم تأتي لتبحث عنها غدا وقد سحبت منها كل ميزاتها الأولى فلا تجدها، وهذا بالضبط ما أوقع فيه مسؤولو بعثة الحج هذا العام لآف المواطنين والمواطنات، الذين حرموا من أداء فريضة الحج ، حيث كانت أمام مسؤولينا فرصة ذهبية لن تتكرر، أُتيحت لهم ثم ضاعت من بين أيديهم.
القصة تبدأ من رحابة السماح السعودي حيث أبدت وزارة الحج والعمرة السعودية جاهزيتها لمنح السودان حصته كاملة بما لا يقل عن إثنين وثلاثين ألف حاج، وهو رقم محترم يعكس ثقة المملكة العربية السعودية بالجانب السوداني، ويتيح لآلاف المواطنين الراغبين في تحقيق أحلامهم وأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، بيد أن مسؤولينا رأوا في غير ما حكمة أن يتخلوا عن الحصة، وأصبحوا يتدحرجون بها حتى أوصلوها إلى 15 ألف حاج شاملة حجاج قطاع السياحة الذي شرم منها أكثر من ثلاثة آلاف، فمن 32 ألف حاج إلى 12 ألف حاج لعموم ولايات السودان، وإذا سألت أحدهم عن سبب الإكتفاء بهذا العدد الضئيل، فحتما ستكون حجته ظروف الحج وتعقيداته، وكأن الظروف ستتحسن بتقليص عدد من يؤدون الفريضة لا بتحسين الإدارة والتنظيم.
إن هذا العدد خمسة عشر ألف حاج فقط، يعتبر أقل من نصف الحصة الأصلية.
إن هذا المسار التراجعي لا يفسر بأي منطق مسؤول سوى الخوف والتردد وغياب الإرادة والكفاءة، وعندما استيقظ المسؤولون أخيراً على حجم الرغبة الجارفة عند السودانيين في أداء الفريضة، ووجدوا أنفسهم في مأزق حقيقي أمام الرأي العام، لجأوا إلى حيلة لا تعكس سوى العجز عن تحمل المسؤولية، ألا وهي نظام القرعة، وهكذا استنوا بدعة لم يعرفها تاريخ الحج السوداني من قبل، إذ صار الحج قرعة وحظا لا مسعى وتخطيطا، وصار المسؤولون الهاربون من المسؤولية يتوارون خلف صناديق القرعة ليتركوا القدر يحكم بدلا عنهم.
والنتيجة المباشرة لهذه السلسلة من التراجعات المتتالية أن ما لا يقل عن خمسة عشر ألف سوداني يملكون الإمكانية المادية والرغبة الحقيقية في أداء الفريضة وجدوا أنفسهم خارج دائرة (نادى المنادي)، حيث وضعت أمامهم العقبات بأيدي من يفترض أن يفتحوا لهم الطريق. لقد حرموهم من أداء الركن الخامس من أركان دينهم لا لذنب اقترفوه، ولا لعجز مالي يمنعهم، بل لأن منظومة بيروقراطية تعمل بعقلية من قلب الصندوق فضلت تقليص الأرقام بدلاً عن تحمل مسؤولية عبء التنظيم.
وحصاد كل هذا الموسم والجيش الجرار من الموظفين الذاهبين والعائدين من وإلى بورتسودان أن منظومة حكومية ضخمة بكل ما فيها من موظفين كبارا وصغارا وإدارات وميزانيات تسخر في نهاية المطاف لخدمة إثني عشر ألف شخص لا أكثر، بينما كان بالإمكان مضاعفة هذا الرقم أضعافا لو توفرت الجرأة على القرار وحسن التخطيط.
وهنا يطرح المواطن السوداني سؤاله العريض المشروع، من الذي تسبب في هذا الحرمان؟ هل هو وزير وقع على قرار التخفيض ؟ أم مسؤول رفيع في المجلس الأعلى للحج والعمرة؟ أم لجنة قررت اعتماد القرعة بديلا عن التنظيم؟ أم أن المسؤولية مهدرة بين أكثر من جهة تتقاذف الأسباب وتتوارى خلف بعضها البعض حتى لا يمكن لأحد أن يحدد المتسبب ؟
والفاجعة الحقيقية ليست في التقصير وحده، فالتقصير يقع في كل زمان ومكان، لكن الفاجعة الكبرى أن يمر هذا الخطأ الجسيم دون محاسبة حقيقية، وأن تمضي الأمور كأن شيئاً لم يكن، وكأن سبعة عشر ألف إنسان لم يحرموا من أداء فريضتهم الدينية الكبرى. والمحاسبة ليست ثأرا ولا انتقاما، بل هي الرادع الوحيد الذي يجعل من تولى مسؤولية الغد يحسب حسابا لما فعله من تولى مسؤولية الأمس.
وثمة أسئلة تبحث عن أجوبة لماذا تراجع المسؤولون من إثنين وثلاثين ألفا إلى خمسة عشر ألفا؟ ما الذي كان يخيفهم في تنظيم حج اثنين وثلاثين ألف حاج؟ هل غابت الخطة؟ أم كانت الكوادر البشرية غير مؤهلة؟ أم أن المسألة أعمق من ذلك وتتصل بعقلية تتهرب من المسؤولية وتلتمس الراحة في تصغير الأشياء بدلا من مواجهة تحدياتها؟
إن وكالات الحج السياحي، التي ينظر إليها أحيانا باعتبارها قطاعا ربحيا شرها، أثبتت في هذا العام وفي غيره أنها أصبحت منظومة تحقق نتائج أفضل مما تحققه المؤسسة الحكومية الضخمة، وهذا ما يصب في خانة المنادين بخصخصة الحج، ويدعون صباح مساء للمراجعة الجذرية في طريقة إدارة ملف حج القطاع العام، أو إلغائه تماماً.
وما حدث هذا العام ليس حادثة منعزلة، بل هو نتيجة منطقية لمنظومة تفتقر إلى الاحترافية في صنع القرار، وتفتقر إلى الشجاعة في تحمل المسؤولية، وتفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية في إدارة ملفات ذات حساسية دينية واجتماعية بالغة. فريضة الحج ليست رحلة سياحية يمكن التساهل في تنظيمها، بل هي واجب ديني مقدس يتعلق به قلوب ملايين السودانيين، ويتوقون إلى أداء ركن من أركان دينهم قبل أن يرحلوا عن هذه الدنيا.
إن السودانيين الذين حرموا من الحج في هذا العام كثيرون منهم لم يكن الحج بالنسبة إليهم ترفا أو تجربة يمكن تكرارها، بل كان حلما يسعى إليهم، وادخارا لأموال جمعوها من ليل الأسى ومر الذكريات، و كان أملهم أن يستريحوا، وجاءت اللحظة التي ظنوا فيها أنهم أمام تحقيق الأحلام، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام صناديق القرعة اللئيمة.
الجانب المؤلم الآخر أن هذه الأزمة كشفت لعامة السودانيين، أنه وفي وقت تعاني فيه البلاد من أزمات متشعبة، فعلى المواطن السوداني المستطيع، أداء فريضة الحج لأنها نافذة روحية سيعود منها بطاقة إيمانية تعينه على مواجهة ضروريات الحياة، لكنه وجد نفسه للأسف الشديد يحرم منها بقرارات ارتجالية تكشف عن منظومة عاطلة عن الموهبة.
وليعلم الذين يتولون مسؤولية تنظيم شعائر الحج السوداني أن الحج ليس ملفا إداريا عاديا، بل هى أمانة ثقيلة يسألهم الله عنها قبل أن يسألهم الناس. وكل مسؤول أسهم بقراره أو بتقصيره في حرمان مسلم من أداء فريضته، سيجد ذلك في ميزانه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون. فليتقوا الله في عباده، وليتحملوا مسؤوليتهم كاملة، وليعلموا أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالجرأة على الاعتراف بالخطأ لا بالتواري خلفه.
مشاركة الخبر علي :
