د. حيدر البدري.. يكتب في نقطة سطر جديد.. اختراق هيبة الدولة في أم درمان، ألحقونا..
حدث هزّ وجدان العاصمة السودانية وألقى بظلال كثيفة من الشك والحيرة على مجرى التحولات العسكرية، فقد أثار تجوّل عناصر مسلحة تابعة للقائد المنشق "النور قبة" في شوارع مدينة أم درمان، وهم بكامل زيّهم العسكري المرتبط بقوات الدعم السريع، عاصفة من الغضب والاستهجان الشعبي. فبعد أيام قلائل من الاحتفاء الرسمي الكبير بانشقاق اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ "النور قبة"، وانضمامه إلى صفوف القوات المسلحة السودانية، فوجئ سكان العاصمة بهذه العناصر تجوب شوارعهم بحرية، حاملةً أسلحتها وترتدي ذات الزي الذي ظل لسنوات رمزاً للتمرد والخوف، في تحدٍ صارخ لمشاعر المواطنين ولمقتضيات الأمن القومي. هذا الحدث ليس مجرد سقطة إجرائية أو خطأ بروتوكولي عابر، بل هو اختراق عميق لهيبة الدولة والجيش، ويكشف عن ارتباك استراتيجي في إدارة ملفٍ بالغ الحساسية. إنه يطرح أسئلة وجودية عن طبيعة المرحلة الانتقالية، وكيفية إدارة عملية دمج المليشيات، ويثير الشكوك حول جدية الالتزام ببناء دولة المؤسسات والقانون. لا يمكن فهم أبعاد هذه الأزمة دون الخوض في الأسباب التي دفعت عناصر "النور قبة" للظهور بهذا المظهر المستفز، وهي أسباب متشابكة ومعقدة بقدر تعقيد المشهد السوداني. التفسير الأكثر بديهية يشير إلى ثغرة لوجستية خطيرة. فعملية الانتقال السريع لـ "النور قبة" وقواته من قلب الصحراء في شمال دارفور إلى العاصمة، والتي تمت تحت وطأة ملاحقة قوات الدعم السريع لهم، ربما لم تواكبها ترتيبات لوجستية كافية لتأمين الزي الرسمي للجيش. هذا الغياب يطرح سؤالاً عن طبيعة التخطيط المسبق للعملية برمتها. أما الأكثر إثارة للقلق هو أن يكون هذا الظهور مقصوداً ومتعمداً. قد يكون رسالة موجهة من القائد المنشق إلى قيادة الجيش، مفادها أنه لم ينضم كجندي مستسلم، بل كشريك يمتلك قوة متماسكة بولاءاتها وهويتها المستقلة. هذا الاستعراض يهدف إلى التأكيد على استحالة إذابة هذه القوات بسرعة داخل هيكل الجيش، مما يمنحه أوراق ضغط إضافية في أي مفاوضات مستقبلية حول أدوار قواته وامتيازاته. بنفس المنطق، قد تكون الرسالة موجهة إلى الداخل، إلى جنود وقادة الدعم السريع، بأن الانضمام إلى الجيش لا يعني التخلي عن الهوية والولاءات القديمة، في محاولة لاستقطاب المزيد من المنشقين عبر تقديم نموذج "انشقاق ناعم" يحافظ على التماسك الداخلي. لا يمكن إغفال البُعد النفسي والرمزي. فاختيار التوقيت والمكان يحمل دلالات عميقة. الظهور بهذا الزي في أم درمان، العاصمة التاريخية وقلب الدولة السودانية، بعد أيام من استقبال البرهان الحافل، هو رسالة استفزازية قد تُقرأ على أنها: "نحن هنا، بقوتنا وهويتنا، في عقر داركم". إنه تحدٍ صريح لسلطة الدولة، واختبار لنفوذ القيادة المركزية وقدرتها على فرض إرادتها. هذا المشهد الفوضوي يضع علامات استفهام كبرى حول أداء المؤسستين العسكرية والأمنية. فكيف يُعقل أن تصل قوة عسكرية بزي غير تابع للدولة إلى قلب العاصمة وتجوب شوارعها دون أي اعتراض أو توجيه مسبق؟ الخلل هنا لا يقتصر على جهاز بعينه، بل هو خلل مركب على مستوى القيادة والتنسيق. فإما أن القيادة العسكرية العليا منحت، عن وعي أو عن غير وعي، ضوءاً أخضر ضمنياً لهذه القوات بالتحرك بحرية دون الخضوع للبروتوكولات العسكرية والأمنية المعتادة، أو أن هناك انهياراً واضحاً في التسلسل القيادي والسيطرة الميدانية، حيث لم تتمكن قيادة المنطقة العسكرية في أم درمان من تطبيق أبسط قواعد التعامل مع القوات غير النظامية. أما الأجهزة الأمنية والشرطية، التي تُعنى بحفظ الأمن في المدن، فقد بدت وكأنها على الهامش، عاجزة عن التدخل أو إبداء أي رد فعل. هذا الغياب يطرح شكوكاً حول ما إذا كانت هذه الأجهزة قد تلقت توجيهات عليا بعدم الاحتكاك، مما كشف عن حالة من الترهل وعدم القدرة على تطبيق القانون على الجميع، وهو أخطر ما في الأزمة. فالهيبة إذا سقطت في الداخل، أصبح استردادها في الخارج أمراً عسيراً. ايها السادة.. افيقوا.. فالتداعيات المترتبة على هذه الواقعة تتجاوز بكثير حدود مدينة أم درمان فالتجول بزي العدو في قلب مناطق الجيش يُحدث خللاً فادحاً في التمييز بين الصديق والعدو، وهو تكتيك كلاسيكي في حروب المدن. هذا الأمر يرفع بشكل كبير من احتمالات وقوع حوادث "نيران صديقة" مميتة، ويمنح فرصة ذهبية لخلايا نائمة أو متسللين لانتحال هذه الهوية لتنفيذ عمليات تخريبية، مما يُدخل العاصمة في دوامة من الفوضى وانعدام اليقين. ولا ننسى الأثر النفسي على المواطنين كارثي. فرؤية من كانوا بالأمس مصدر رعب وترويع يجوبون اليوم شوارعهم بحرية وبذات الزي، دون أي رادع، يزرع الشك العميق في قدرة الدولة على حمايتهم وفي جدوى التضحيات المقدمة. إنه يخلق شعوراً بأن الحرب لم تنته، بل تحولت إلى شكل آخر أكثر التباساً وخطورة، مما يعمق الهوة بين المجتمع والدولة. ولا شك ان التداعيات السياسية وإعادة إنتاج الميليشيات ممهور بمثل هكذا حوادث. فعلى المستوى السياسي، يكرس هذا المشهد أخطر سابقة في تاريخ الصراع السوداني فبدلاً من تفكيك المليشيات ودمج أفرادها كأفراد في المؤسسة العسكرية، يتم استيعاب الكيان المليشياوي كوحدة متماسكة تحتفظ بقيادتها وزيها وسلوكها. هذا النهج لا ينهي ظاهرة المليشيات، بل يضفي عليها شرعية جديدة ويدمجها في نسيج الدولة، مما يهدد بتكرار الدورة ذاتها في المستقبل القريب. هذا التساهل يبعث برسالة خطيرة إلى القوى الأخرى شبه العسكرية. فإذا كان بإمكان قوة منشقة بهذا الحجم أن تتصرف بهذه الحرية، فما الذي يمنع غيرها من التمرد على أي اتفاقيات أو تفاهمات؟ إنها وصفة أكيدة لانهيار أي سلطة مركزية وبقاء البلاد رهينة لسلطة "أمراء الحرب". ياقيادة الجيش، لم يعد هناك متسع للتردد أو التخبط. ما هو مطلوب هو تحرك حاسم ومتعدد المحاور لإعادة الأمور إلى نصابها وذلك بفرض القانون فوراً وبلا تردد. يجب أن يصدر أمر عسكري فوري وواضح يُلزم جميع القوات التي دخلت في عملية اندماج بالتخلي عن زيها القديم وتسليم نفسها لإجراءات الاستيعاب القانونية. أي عنصر يشاهَد بعد 24 ساعة بزي غير زي القوات المسلحة في المناطق المدنية يجب أن يُعتبر خارجاً عن القانون ويتحمل عواقب ذلك. التساهل في هذه النقطة هو انتحار مؤسسي. مع تفعيل دور القضاء والشرطة لفرض سيادة القانون فقد آن الأوان لتفعيل دور وزارة الداخلية والنيابة العامة. يجب إنشاء آلية قانونية واضحة للتعامل مع الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم حرب أو انتهاكات جسيمة. لا يمكن للانضمام إلى الجيش أن يكون "تصفيراً" للماضي. المساءلة هي الضمانة الوحيدة لعدم تكرار المآسي. ثم لنتحرك لوضع استراتيجية اتصال سياسي لاستعادة ثقة المواطن آذ يجب على قيادة الدولة، وعلى رأسها رئيس مجلس السيادة، توجيه خطاب مباشر وصريح للشعب السوداني يوضح فيه طبيعة الاتفاقات مع القوى المنشقة، ويؤكد بشكل قاطع على حصرية احتكار الدولة للسلاح والزي الرسمي، ومحاسبة أي جهة تتجاوز ذلك. كما يجب تقديم خطة واضحة ومعلنة لدمج المقاتلين السابقين، تشمل برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، مع التأكيد على أن التجنيد في الجيش هو خيار فردي لمن تتوفر فيه الشروط، وليس استيعاباً لمجموعات مسلحة بكامل هيكلها القيادي. إن ما حدث في أم درمان ليس مجرد زلة، بل هو جرس إنذار صاخب يُنذر بخطر حقيقي يتهدد جوهر الدولة السودانية وفكرة المواطنة المتساوية. إن استمرار التعامل مع أعداء الأمس كلاعبين سياسيين يمتلكون أوراق القوة والترهيب، ومنحهم الحصانة والشرعية قبل محاسبتهم وقبل نزع سلاحهم وروحهم الميليشياوية، هو طريق مختصر نحو دولة فاشلة. إن استعادة هيبة الدولة تبدأ من استعادة هيبة زيها الوطني، وجعله الوعاء الوحيد لكل من يحمل السلاح دفاعاً عنها. هذه هي اللحظة الحاسمة لإثبات أن السودان ماضٍ في بناء دولة المؤسسات والقانون، أو أنه قد اختار طريقاً آخر لا يُحمد عقباه. الا هل بلغت اللهم فاشهد. نقطة سطر جديد.
مشاركة الخبر علي :
