حديث الساعة إلهام سالم منصور جيشٌ يكتب التاريخ… ويستعيد هوية وطن من بين الركام
نكتب اليوم بمداد الفخر، لا لنصف حدثًا عابرًا، بل لنخلّد مرحلة فاصلة أعادت تعريف معنى الوطن في وجدان أبنائه. نشهد ونكتب للتاريخ أن قواتنا المسلحة السودانية لم تكن يومًا مجرد مؤسسة تحمل السلاح، بل كانت روح السودان حين كادت الروح أن تُنتزع، وكانت العصب الذي تماسك حين أوشكت الأوصال أن تتفكك.
لقد مرّ السودان بواحدة من أعقد محطاته، حيث لم تكن التحديات مجرد نزاع مسلح، بل مشروع تفكيك شامل استهدف الدولة في بنيتها، والمجتمع في نسيجه، والهوية في عمقها. كان هناك من يراهن على سقوط السودان، ومن ظن أن هذا الوطن يمكن أن يُعاد تشكيله وفق أجندات لا تشبهه ولا تنتمي إليه. لكن الرهان سقط، لأن في السودان جيشًا يعرف معنى الأرض، ويدرك قيمة التاريخ، ويؤمن أن الوطن ليس جغرافيا فقط، بل كرامة وهوية وانتماء.
في خضم هذه العواصف، تقدمت قواتنا المسلحة بثبات لا يتزعزع، تحمل على عاتقها مسؤولية ليست بالهينة، مسؤولية الحفاظ على كيان الدولة ومنع انزلاقها نحو الفوضى الشاملة. لم يكن الطريق سهلاً، ولم تكن التضحيات قليلة، بل كانت جسامًا بحجم الوطن نفسه. ارتقت أرواح، ونزفت دماء، وصمد رجال كتبوا ببطولاتهم ملحمة ستُروى للأجيال.
لقد كانت المعركة في جوهرها معركة وجود، معركة بين من أراد للسودان أن يبقى، ومن أراد له أن يُمحى. وبين هذا وذاك، وقف الجيش السوداني كخط الدفاع الأخير، لا يحمي حدودًا فحسب، بل يحمي فكرة السودان ذاتها. ومن هنا، لم يكن النصر مجرد تقدم ميداني، بل كان استعادة للثقة، وإعادة رسم لملامح الدولة، وترسيخًا لهوية كادت أن تضيع وسط الضجيج.
إن ما تحقق اليوم يضعنا أمام مسؤولية أكبر، فاستعادة الوطن لا تكتمل إلا بإعادة بنائه، ليس فقط في الحجر، بل في الإنسان. علينا أن نداوي جراحنا، أن نُعيد الثقة بين مكونات المجتمع، وأن نفتح صفحة جديدة عنوانها التماسك لا التناحر، والبناء لا الهدم. فالجيش، مهما بلغت قوته، يحتاج إلى سند شعبي واعٍ، يدرك أن حماية الوطن مسؤولية مشتركة.
كما أن المرحلة القادمة تتطلب رؤية وطنية شاملة، تعالج آثار الحرب، وتضع أسس دولة عادلة، تُنصف المواطن، وتُعلي قيمة القانون، وتمنح الجميع شعورًا بالانتماء الحقيقي. فلا معنى لنصر عسكري دون استقرار سياسي، ولا قيمة للأمن دون عدالة اجتماعية.
إن قواتنا المسلحة السودانية قدمت ما عليها، وفتحت الطريق أمام مستقبل جديد، لكن هذا المستقبل لن يُبنى إلا بسواعد كل السودانيين، كلٌ في موقعه، وكلٌ بدوره. فالوطن لا يُصان فقط في ميادين القتال، بل يُصان أيضًا في المدارس، في الإعلام، في العمل، وفي كل مساحة يمكن أن تُزرع فيها قيم الانتماء.
ختامًا، نقولها بوضوح:
سيذكر التاريخ أن السودان، حين اشتدت عليه المحن، لم يسقط… لأن فيه جيشًا لا يعرف الانكسار، وشعبًا قادرًا على النهوض مهما كانت الجراح عميقة.
وسيبقى هذا الوطن… رغم كل شيء… وطنًا يستحق الحياة.
مشاركة الخبر علي :
