*الأبيض تحت نار المسيرات: جريمة بلا أقنعة… ومسؤولية لا تسقط بالتقادم* *أبعاد – مصطفى بشير عيسى*
لم يعد ما جرى في مدينة الأبيض مجرد حادثة عابرة في سياق حربٍ معقدة، بل تطورٌ خطير يكشف بوضوح طبيعة المشروع الذي تتبناه المليشيا المسلحة: استهداف المدنيين كخيارٍ مقصود عندما تعجز عن الحسم في الميدان. الهجوم غير المسبوق بالطائرات المسيّرة على الأحياء السكنية والأسواق الطرفية، والذي خلّف شهداء وجرحى من الأبرياء، ليس إلا جريمة مكتملة الأركان تُضاف إلى سجلٍ مثقلٍ بالانتهاكات.
الأبيض، المدينة التي ظلت عصية على السقوط، وهدفًا استراتيجيًا لم يتحقق، تحولت في نظر هذه المليشيا إلى ساحة انتقام مفتوحة. فبعد أن فشلت في تحقيق اختراق عسكري، لجأت إلى أسلوبٍ جبان يستهدف الإنسان في أمنه ومعاشه، في محاولة يائسة لكسر إرادة المجتمع عبر بث الرعب والدمار. لكن هذه الحسابات تكشف قِصر نظرٍ سياسي وعسكري، لأن استهداف المدنيين لا يصنع نصرًا، بل يعمّق العزلة ويُسرّع السقوط الأخلاقي.
إن هذا السلوك يمثل انتهاكًا صارخًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، الذي يحرّم بشكل قاطع استهداف الأعيان المدنية. وهو ما يضع المليشيا ومن يدعمها سياسيًا وماليًا وعسكريًا تحت طائلة المساءلة القانونية والأخلاقية. فالصمت على هذه الجرائم، أو تبريرها بأي شكل، هو تواطؤٌ مباشر لا يقل خطورة عن الفعل نفسه.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الأدوار المشبوهة لبعض القوى الإقليمية التي ظلت تُتهم بدعم هذه المليشيا، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تتزايد المؤشرات على وجود دعم لوجستي ومالي يسهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد المشهد. إن أي دعمٍ من هذا النوع، إن ثبت، يجعله شريكًا في النتائج الكارثية التي يدفع ثمنها المدنيون السودانيون يوميًا.
كما أن المسؤولية تمتد إلى بعض الأصوات السياسية التي اختارت الاصطفاف مع مشروع الفوضى، وقدّمت غطاءً إعلاميًا أو مبرراتٍ واهية لممارسات لا يمكن تبريرها. هؤلاء لا يقفون في موقع الحياد، بل في خانة الإسهام في إطالة معاناة الشعب، ويجب أن يُحاسَبوا سياسيًا وأخلاقيًا.
إن ما حدث في الأبيض يجب أن يكون نقطة تحوّل في مواقف المجتمع الدولي، خاصة ما يُعرف بالرباعية، التي لم يعد مقبولًا منها الاكتفاء ببيانات القلق أو الدعوات العامة. المطلوب موقف واضح وحازم يضع حدًا لهذه الانتهاكات، ويفتح الطريق أمام محاسبة الجناة، وضمان حماية المدنيين.
في المقابل، أثبتت القوات المسلحة والقوات المساندة يقظةً عالية في التصدي لعدد كبير من هذه المسيرات، في مشهد يعكس جاهزية ميدانية وروحًا قتالية تُدرك حجم المسؤولية. كما أن صمود مواطني الأبيض، ورفضهم الانكسار رغم الألم، يبعث برسالة واضحة: هذه المدينة لا تُهزم، لأن إرادة أهلها أقوى من كل أدوات الموت.
خلاصة القول:
الهجوم على الأبيض ليس مجرد تصعيد عسكري، بل اختبارٌ للضمير الإنساني محليًا ودوليًا. فإما أن تُسمّى الأشياء بأسمائها، وتُدان الجرائم بوضوح، ويُحاسَب مرتكبوها وداعموها… أو يُترك الباب مفتوحًا لمزيدٍ من الدم والدمار. وفي كل الأحوال، ستظل الأبيض شاهدةً على أن استهداف المدنيين لا يكسر الأوطان، بل يفضح المعتدين.
الشروق تلغرام
مشاركة الخبر علي :
