*أبعاد | مصطفى بشير عيسى* *ما بعد الاستسلام: بين إدارة المخاطر وبناء السلام*
الحديث عن الاستسلام في سياق الحرب الدائرة لا ينبغي أن يُختزل في كونه نصراً عسكرياً أو مكسباً إعلامياً، بل يجب أن يُفهم باعتباره نقطة بداية لمسار بالغ التعقيد، يتطلب من الدولة أعلى درجات الوعي والانضباط. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في استلام السلاح، بل في إدارة من حملوه، وتحويلهم من مصدر تهديد إلى عناصر منضبطة داخل إطار الدولة.
التجارب الدولية في هذا المجال تقدم نموذجاً واضحاً فيما يُعرف ببرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR)، وهي ليست إجراءات شكلية، بل منظومة متكاملة تقوم على مراحل دقيقة: نزع السلاح بشكل كامل، ثم عزل المقاتلين عن المجتمع لفترة انتقالية، يلي ذلك تأهيل نفسي وسلوكي يعالج آثار الحرب، قبل الانتقال إلى إعادة التدريب والانخراط المنضبط في مؤسسات الدولة أو الحياة المدنية.
في هذا الإطار، يصبح من الخطأ الاستراتيجي التعامل مع القوات المستسلمة وكأنها تحولت تلقائياً إلى قوة آمنة. فالإبقاء على هذه العناصر في نفس تشكيلها، أو السماح لها بالحركة داخل المدن، بل وحتى استمرارها في ارتداء ذات الزي، يمثل خللاً عميقاً في تقدير الموقف. لأن المسألة لا تتعلق فقط بالأمن المادي، بل بالأثر النفسي العميق على المجتمع.
المواطن الذي عايش الانتهاكات، وشهد لحظات الخوف والاقتحام، لا يمكن أن يُطلب منه أن يتجاوز كل ذلك بمجرد إعلان الاستسلام. رؤية ذات الزي، وذات السلاح، وذات الملامح في شوارع المدينة، قد تعيد إنتاج الصدمة، وتغذي مشاعر الغضب وعدم الثقة، وهو ما يهدد الاستقرار الاجتماعي من الداخل.
لذلك، فإن أولى خطوات المعالجة يجب أن تبدأ بـ العزل الكامل لهذه القوات في معسكرات مخصصة خارج المناطق السكنية، تحت رقابة صارمة من الأجهزة النظامية. هذا العزل ليس عقوبة، بل إجراء وقائي يهدف إلى كسر حالة التماسك السابقة، ومنع إعادة تشكلها داخل المجتمع.
يتبع ذلك نزع السلاح بشكل تدريجي ومنظم، مع إخضاع الأفراد لبرامج تأهيل نفسي حقيقية، تعالج آثار العنف، وتعيد تشكيل العلاقة مع الدولة والمجتمع. فالتأهيل هنا ليس ترفاً، بل ضرورة لضمان عدم انتقال ثقافة الحرب إلى داخل مؤسسات الدولة.
كما أن إعادة التدريب العسكري يجب أن تتم وفق عقيدة وطنية موحدة، تضع الانضباط واحترام القانون في مقدمة الأولويات، بعيداً عن أي ولاءات سابقة أو شبكات نفوذ موازية.
ولا يقل أهمية عن ذلك تغيير الشكل الخارجي لهذه القوات، وعلى رأسه الزي العسكري، لما يحمله من دلالات رمزية عميقة. فالزي في مثل هذه الظروف ليس مجرد لباس، بل رسالة نفسية مباشرة للمواطن، وإعادة إنتاجه دون تغيير تعني عملياً إعادة إنتاج الخوف.
ومن الضروري كذلك فرض قيود واضحة على الحركة، وعدم السماح بأي شكل من الأشكال بالتجول داخل المدن وهم يحملون السلاح، لأن ذلك لا يهدد فقط الأمن، بل يضرب في صميم الثقة بين الدولة والمجتمع.
وفي موازاة ذلك، يجب أن تخضع هذه العملية برمتها إلى رقابة متعددة المستويات، تشمل الجوانب الأمنية والقانونية والاجتماعية، لضمان عدم انحرافها أو استغلالها في إعادة تشكيل مراكز قوة موازية.
إن إدارة هذه المرحلة تتطلب توازناً دقيقاً: انفتاحاً مدروساً لاستيعاب من يختارون العودة، مقابل حزم واضح يمنع أي محاولة لإعادة إنتاج الفوضى. فالدولة التي تسعى لاستعادة هيبتها، لا يمكن أن تسمح بانتقال التهديد من ساحة القتال إلى داخل المدن.
في النهاية، لا يُقاس النجاح بعدد من استسلموا، بل بكيفية التعامل معهم. فإما أن تكون هذه اللحظة مدخلاً لبناء سلام مستدام، أو تتحول—إن أسيء إدارتها—إلى بذرة صراع جديد أكثر تعقيداً.
وهنا فقط، تتجلى الحكمة الحقيقية للدولة: في قدرتها على إدارة ما بعد الحرب، لا فقط كسبها.
مشاركة الخبر علي :
