بقلم د.سعاد فقيري حين يكون الوطن في الميدان… لا يليق بأهل العلم الانسحاب
في خضم الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان، وبينما يقف الجندي في الخنادق مقدمًا روحه دفاعًا عن الأرض والعِرض والسيادة، تتصاعد في المقابل بيانات الاستنكار والإضرابات داخل بعض مؤسسات التعليم العالي، وكان آخرها البيان الصادر عن لجنة أساتذة الجامعات السودانية (لاجسو) بشأن إيقاف مرتبات بعض الأساتذة بجامعة بخت الرضا بسبب الإضراب.
لا أحد يختلف حول أن للأستاذ الجامعي حقوقًا مشروعة، وأن تحسين أوضاعه المعيشية والمهنية ضرورة وطنية وأخلاقية، كما أن صرف المرتبات والاستحقاقات حق أصيل لا ينبغي التهاون فيه.
فالأستاذ الجامعي هو حامل مشعل المعرفة، وصانع العقول، وأحد أعمدة بناء الدولة الحديثة.
ولكن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه اليوم: هل يجوز أن تتحول الجامعات في هذا الظرف الحرج إلى ساحات شد وجذب بينما الوطن يواجه أخطر تحدياته الوجودية؟
إن الدول في أوقات الحروب والأزمات الكبرى تعيد ترتيب الأولويات، وتُقدِّم الواجب الوطني العام على المطالب الفئوية الخاصة، دون أن يعني ذلك إسقاط الحقوق أو إنكارها.
فالوطن عندما يكون مهددًا يصبح الحفاظ عليه واجبًا يتقدم على كل خلاف إداري أو مهني، لأن ضياع الوطن يعني ضياع الجامعة، وضياع المرتب، وضياع المستقبل كله.
ومن المؤلم حقًا أن يُقدَّم خطاب الحقوق مجردًا من خطاب الواجب الوطني، وكأن الأستاذ الجامعي معزول عن معركة البقاء التي يخوضها السودان اليوم.
فالتاريخ لا يخلّد فقط من طالبوا بحقوقهم، بل يخلّد الذين ضحوا وصبروا وتحملوا من أجل أوطانهم في أوقات الشدة.
إذا كان الجندي السوداني اليوم يقف في الصفوف الأمامية تحت القصف والجوع والخطر، فهل يُعجز النخبة العلمية أن تقدم تضحية مهنية مؤقتة تحفظ استقرار مؤسسات الدولة؟ وهل يُعقل أن تتوقف الجامعات أو تدخل في حالة صدام بينما البلاد تحتاج لكل عقل ولكل صوت ولكل جهد وطني؟
إن الحكمة تقتضي أن تُدار هذه الأزمة بروح المسؤولية الوطنية لا بمنطق كسر العظم.
فالجامعة ليست مجرد مؤسسة صرف مرتبات، بل مؤسسة رسالة، ورسالتها في أوقات المحن تتضاعف لا تتراجع.
والأستاذ الجامعي الحقيقي لا يُقاس فقط بعلمه، وإنما أيضًا بموقفه الوطني وقدرته على قيادة المجتمع أخلاقيًا وفكريًا وقت الأزمات.
وفي المقابل، فإن على إدارات الجامعات والدولة أيضًا أن تدرك قيمة الأستاذ، وأن تتعامل مع مطالبه بجدية واحترام، وأن تبتعد عن أي إجراءات قد تُفسر باعتبارها استهدافًا أو إهانة للمعلم والأكاديمي.
فالحلول الأمنية أو الإدارية الجافة لا تصنع استقرارًا، بل الحوار والتقدير المتبادل هما الطريق الأسلم.
لكن تبقى الحقيقة الثابتة أن السودان اليوم أكبر من الجميع، وأعلى من كل المؤسسات، وأغلى من كل المكاسب المؤقتة.
فالوطن ليس مجرد جغرافيا، بل هو المظلة التي تحفظ الحقوق والحريات والكرامة للجميع.
إن المرحلة الحالية تحتاج إلى خطاب وطني جامع يعلي قيمة التضحية، ويزرع روح المسؤولية، ويعيد التوازن بين الحقوق والواجبات، حتى لا تتحول المعارك الجانبية إلى نزيف جديد في جسد وطن أنهكته الحرب.
فليتذكر الجميع:
حين يسقط الوطن… لا تبقى جامعة، ولا وظيفة، ولا مرتبات. أما حين ينتصر الوطن، فكل الحقوق يمكن أن تعود أقوى وأعدل وأكثر كرامة.
مشاركة الخبر علي :
