*عودة أمين أمانة الحج والعمرة للعمل رغم خطاب كف اليد*. *كتب/ عبد اللطيف السيدح*
لقد استبشر الناس خيراً بعد أن رأوا أمين أمانة الحج والعمرة الأستاذ أحمد سر* *الختم عاد لممارسة عمله المكلف به بكل نشاط وحيوية في مكة المكرمة ، وانتظروا خطاب إلغاء القرار الأول* *من سعادة الوزير الذي أوقف فيه الرجل عن العمل، لكن للأسف حتى هذه اللحظة لم يروا خطاب إعادة سر الختم إلى العمل، مما يبين أن حكومة الأمل لازالت خارج الخدمة من ناحية المؤسسية، وأن أي وزير جلس على كرسي وثير، يمكنه أن يصدر أخطر القرارات بكل سهولة وارتجال ، ويمكنه كذلك أن يبتلعه دون أن يرمش له جفن، بعد أن يبشع قراره بالشخص المعني أيما تبشيع على كافة المستويات، لاسيما الإعلامي منها*. *إن ما وقع الأسبوع الماضي ومع مغادرة أول فوج من حجاج السودان إلى الأراضي المقدسة، داخل وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في قضية كف يد أمين أمانة الحج والعمرة أحمد سر الختم، يضع حكومة الأمل برمتها أمام امتحان عسير يتعلق بهيبة الدولة قبل أن يتعلق بالأشخاص* *فالوزير صدر خطابا رسميا يحمل الرقم (19)، أوقف بموجبه أمين أمانة الحج والعمرة عن العمل، والقرار يقضي بكف يد الرجل، مع إرسال صور من الخطاب إلى مجلس الوزراء والقنصل العام بجدة وكافة الجهات العاملة في الحج داخل السودان وخارجه، راجيا فيه عدم التعامل مع أمين الحج والعمرة، أي أن الوزير لم يكتفِ بإبعاد الرجل إداريا فحسب بل عزله عمليا أمام المؤسسات والرأي العام، ووضعه في موضع المتهم الذي فقد ثقة الدولة*. *ثم فجأة ومن غير إعلان رسمي، ومن غير خطاب إلغاء، ومن غير توضيح للرأي العام، يشاهد الناس الرجل الذي تم إيقافه يمارس مهامه وكأن شيئا لم يكن*! *وهنا تبدأ الأسئلة الثقيلة التي لا يجوز دفنها تحت* *ركام المجاملات وشغل “حب الخشوم*”. *هل أخطأ الوزير عندما أصدر القرار*؟ *إن كان مخطئا فمن يحاسبه على قرار أربك مؤسسات الحج وأساء إلى سمعة الجهاز الإداري للدولة*؟ *وهل خاطب الوزير الجهات التي أمرها بعدم التعامل مع أمين الأمانة، وأبلغها رسمياً بالتراجع عن قراره؟ أم تركت هذه المؤسسات تتعامل مع حالة إدارية ضبابية لا تعرف فيها من صاحب الصفة ومن فاقدها*؟ *ثم لماذا صدر القرار أصلا؟ وهل كانت هناك مخالفات حقيقية تستوجب كف اليد*؟ *إن كانت هناك مخالفات، فلماذا تراجع الوزير*؟ *وإن لم تكن هناك مخالفات، فلماذا تم التشهير الإداري بالرجل*؟ *والأخطر من ذلك، أين* *خطاب إلغاء القرار الأول الذي أغرق صفحات الميديا*؟ *فالدولة لا تدار بالهمس، ولا تلغى قراراتها بالمكالمات الهاتفية، ولا تعالج أزماتها الإدارية بجلسات الجودية، ولأن القرار الذي خرج مكتوبا وممهورا بتوقيع الوزير وختم الوزارة، لا يلغيه الصمت، بل يلغيه قرار مكتوب بذات القوة والوضوح*. *والناس يتحدثون الآن في مجالسهم عن تدخل جهات نافذة أعادت العلاقة بين الرجلين إلى وضعها الطبيعي، وعن وساطات تمت بعيدا عن المؤسسية، وإن صح ذلك فالمصيبة أكبر من مجرد خلاف إداري، لأن معنى ذلك أن مؤسسات الدولة أصبحت رهينة للعلاقات الشخصية، وأن القرارات النافذة يمكن أن تجمد أو تفعل بحسب قوة النفوذ والمزاج لا بالقانون*. *ثم يبرز السؤال القانوني المهم* *هل يملك الوزير صلاحية اتخاذ مثل هذا القرار*؟ *وإذا كان يملكها، فلماذا لم توقف عن متابعة تنفيذ قراره وفقا للمسار الإداري بصورة قانونية حتى نهايته*؟ *وإن لم يكن يملكها، فلماذا لم بتدخل رئيس الحكومة لحسم هذه الفوضى*؟ *وفي وسط هذا الضجيج، يقف أيضا سؤال حائر* *من يرد الاعتبار لأمين أمانة الحج والعمرة*؟ *فالرجل تم تعميم قرار كف يده على جهات داخلية وخارجية، وتم التعامل معه باعتباره مبعدا عن مهامه، ثم عاد فجأة من غير تفسير ولا اعتذار ولا تبرئة*. *والسكوت هنا لا يحل الأزمة، بل يضاعفها.وأمام سعادة الوزير عدد من الخيارات* *إما أن يتمسك بقراره الأول ويشرح للرأي العام أسباب كف اليد، ويتابع تنفيذه حتى النهاية وفق القانون*. *وإما أن يعترف صراحة بأن قراره كان متعجلا وخاطئا، ويصدر خطابا آخر بإلغائه، متضمنا اعتذارا إداريا، وأدبيا، وأخلاقيا لأمين أمانة الحج والعمرة*. *أما ترك الأمور معلقة بين القرار ونقيضه، فهو العبث بعينه، وهو ما يطلق عليه السودانيون الدغمسة، أو دفن الليل أبكراعن بره*. *لقد تعب الناس من إدارة الملفات العامة بالغموض، ومن الصراعات الشخصية التي تتحول إلى أزمات. فالحج ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا مؤسسة تتحمل ارتباك القرارات والانقسامات الإدارية، لأنه ملف حساس يمس سمعة السودان أمام العالم الإسلامي*. *إن قيادة الدولة ورئيس مجلس الوزراء تحديدا*، *مطالب الآن بالتدخل الحاسم، ليس انتصارا لطرف ضد آخر، بل انتصارا لمبدأ الدولة نفسها، فإما أن تكون هناك مؤسسات تحكمها اللوائح، وإما أن يتحول كل خلاف داخل الوزارات بين وزير وأحد منسوبي وزارته إلى معركة نفوذ تحسم بالترضيات*. *وعندما تصل الحكومة إلى مرحلة يصبح فيها القرار الرسمي قابلا للتجميد بلا تفسير، فهذه ليست أزمة وزارة فقط، بل أزمة هيبة حكم كاملة*.
مشاركة الخبر علي :
