*غرب كردفان: كفى جلداً للذات… أين مشروعكم؟* *أبعاد__: مصطفى بشير عيسى*
لم يعد مقبولاً، ولا مبرراً، ذلك السيل الجارف من النقد اللاذع الذي دأب عليه بعض أبناء ولاية غرب كردفان، حتى صار وكأنه المشروع الوحيد الذي يجيدونه. نقدٌ لا يتوقف، واتهاماتٌ لا تنتهي، ولغةٌ مشحونة بالهدم، دون أن يصاحبها طرحٌ واحدٌ جاد، أو رؤيةٌ عملية، أو حتى محاولة خجولة للخروج من هذا النفق المظلم.
إن ما كتبه البعض، من وصفٍ شامل لكل حكومات الولاية بالفشل، ووسم الحكومة الحالية بأنها الأسوأ والأكثر فساداً، لا يعكس شجاعة في الطرح بقدر ما يكشف عن حالة من العجز الكامل عن إنتاج بدائل. فالهجوم سهل، والتجريح متاح، لكن البناء يحتاج إلى عقولٍ تفكر، وصدورٍ تتحمل، وإرادةٍ تعمل.
الحقيقة التي يتجاهلها هؤلاء عمداً أو جهلاً، أن ولاية غرب كردفان تمر بظرف استثنائي غير مسبوق؛ ولاية سقطت أجزاء واسعة منها تحت قبضة المليشيات، وحكومة نفسها أصبحت نازحة، تعمل من خارج حدودها، وتكابد لتدير ما تبقى من شؤونها وسط واقع بالغ التعقيد. فهل هذا هو التوقيت الذي نمارس فيه جلد الذات؟ أم هو وقت التكاتف وتوحيد الصفوف؟
أين أنتم من معركة التحرير؟
أين مشروعكم الأمني الذي يعيد للولاية هيبتها؟
أين المبادرات التي تدعم الاستقرار وتساند الجهود الرسمية والشعبية؟
أم أن دوركم يقتصر فقط على الكتابة من خلف الشاشات، وتوزيع صكوك الفشل، وكأنكم خارج هذه الجغرافيا، أو غير معنيين بمصيرها؟
ثم ماذا عن الاقتصاد؟
غرب كردفان ليست أرضاً قاحلة، بل ولاية غنية بمواردها، زاخرة بإمكاناتها الزراعية والرعوية. لكننا لا نسمع من هؤلاء “النقاد” أي حديث عن مشروع تنموي، أو رؤية اقتصادية، أو حتى فكرة قابلة للنقاش. فقط نقد، ثم نقد، ثم مزيد من النقد… وكأن المطلوب هو هدم ما تبقى لا إنقاذه.
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يضعف الحكومة وحدها، بل يضرب النسيج الاجتماعي، ويعمق الإحباط، ويمنح خصوم الولاية فرصة أكبر للتمدد. فالمعركة اليوم ليست معركة سلطة، بل معركة وجود، تتطلب من الجميع أن يكونوا جزءاً من الحل، لا عبئاً إضافياً على الأزمة.
نعم، النقد مطلوب، بل واجب.
لكن النقد المسؤول هو الذي يضيء الطريق، لا الذي يطفئ ما تبقى من نور.
النقد الحقيقي هو الذي يقترح، لا الذي يكتفي بالهدم.
أما هذا اللون من النقد العدمي، فهو أقرب إلى الهروب من المسؤولية منه إلى مواجهتها.
رسالتي لهؤلاء واضحة:
إن كنتم صادقين في غيرتكم على غرب كردفان، فاخرجوا من دائرة الكلام إلى فضاء الفعل. قدموا مشروعاً أمنياً، ولو على الورق. اطرحوا رؤية اقتصادية قابلة للنقاش. بادروا بجمع الناس لا تفريقهم.
أما إذا ظللتم أسرى للذم والتجريح، فأنتم لا تختلفون كثيراً عمن أسهموا في تعميق الأزمة، حتى وإن توهمتم أنكم في صف المنتقدين.
غرب كردفان اليوم لا تحتاج إلى أصوات عالية… بل إلى عقولٍ راشدة، وقلوبٍ صادقة، وأيادٍ تعمل.
والتاريخ لا يذكر من صرخوا كثيراً…
بل يذكر من فعلوا شيئاً.
مشاركة الخبر علي :
