كردفان... ضرورة العرف والتراث والهوية! محمد التجاني عمر قش
أدت الحرب الدائرة الآن إلى هزة قوية في المجتمع السوداني عموما، وفي مجتمع كردفان على وجه الخصوص. فقد اعتقدت بعض مكونات كردفان أن فرصتها قد حانت لمد جسور التواصل مع أبناء عمومتها من أجل تحقيق مكاسب مزعومة وبناء دولة على أساس قبلي بحت، وبعضها تماهي مع الدعم بحجج واهية. ومن جانب آخر، كان بعض المكونات ضحية لاعتداءات عناصر الدعم السريع اتي دمرت النسيج الاجتماعي وطمست معالم الهوية الكردفانية التي بناها الحكماء من رجالات وزعماء الإقليم عبر الزمن، وبالاعتماد على أعراف راسخة وعلاقات اجتماعيه كانت ضرورية للتعايش بين الناس في ربوع كردفان الغرة. ولكن الأطماع الذاتية دفعت مجتمع كردفان في اتجاهات متباينة تماما، وكانت النتيجة نسف ما بناه الأولون من لحمة كان من الممكن أن تظل هي الممسك الأساسي لوحدة النسيج الكردفاني، مستفيدة من التراث والعرف ومشتركات الهوية، إذا جاز التعبير.
ومن أسوأ إفرازات الحرب ظهور مشاحنات وملاسنات ممجوجة بين بعض مكونات المجتمع الكردفاني ما كنا نسمعها من قبل، وإن لم يتدارك الناس مثل هذه التشوهات الطارئة فإنها سوف تؤدي حتما إلى نزاعات ماحقة بين إخوة تجمع بينهم الأرحام والمساكنة والمصاهرة ووحدة المصير وتبادل المصالح وحسن الجوار منذ مئات السنين. ولعل من أفضل الأدوات التي يمكن استخدامها لرأب الصدع هي التراث وتفعيل العرف واستلهام متطلبات الهوية الإقليمية في كردفان. ويجب ألا يفهم أننا ندعو لجهوية أو عنصرية، لا ورب الكعبة، بل المقصد هو توحيد الصف وتعزيز الانتماء للوطن الصغير والكبير باعتبار أن ذلك أمر لازم لتجاوز الأزمات العابرة من أجل بناء وحدة متماسكة تجنبنا مغبات الدخول في صراعات حمقاء لا طائل منها.
يا حضرات السادة، إن كردفان ليست مجرد رقعة جغرافية في قلب السودان، بل هي ذاكرة ممتدة، وروح تسكن الوجدان السوداني منذ قرون. كما أنها فضاءٌ تتعانق فيه القبائل والثقافات واللهجات والإيقاعات، حتى غدت رمزاً للتمازج الإنساني والتنوع الذي لا يلغي الهوية بل يثريها. وحين نتحدث عن ضرورة العرف والتراث والهوية في كردفان، فإننا نتحدث عن ضرورة الحفاظ على الروح التي صنعت الإنسان الكردفاني وأكسبته خصوصيته وعمقه الحضاري.
لقد ظل العرف في كردفان، عبر التاريخ، قانوناً اجتماعياً يحفظ التوازن بين الناس، ويؤسس لقيم الكرم والشهامة والتكافل والنفير والفزعة. ففي البادية والقرى والحواضر، كانت الأعراف تنظم العلاقات، وتفض النزاعات، وتحفظ الحقوق، بعيداً عن التعقيد، معتمدةً على الحكمة الجماعية واحترام الكلمة. ومن هنا اكتسب المجتمع الكردفاني قدرته على التماسك رغم قسوة الطبيعة وتقلبات الحياة.
أما التراث، فهو الوعاء الذي حفظ ذاكرة الأجيال وتجاربها؛ في الأغنيات الشعبية، والحكايات، وأهازيج الرعاة، وطبول المناسبات، والرقصات الجماعية التي تعكس روح الفرح والتعاون. وتراث كردفان ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل هو حياةٌ تتجدد في التفاصيل اليومية؛ في طريقة الحديث، وفي "الونسة" بين الناس، وفي احترام الكبير، وفي الفروسية التي ما تزال رمزاً للنبل والرجولة.
وتبرز الهوية الكردفانية بوصفها هوية سودانية أصيلة، تشكلت عبر التعايش الطويل بين مختلف الإثنيات، ومختلف المجموعات الثقافية التي وصلت الإقليم واستقرت فيه. لذلك فإن قوة كردفان الحقيقية تكمن في تنوعها، لا في انغلاقها. فالهوية هنا ليست جداراً يعزل الناس، بل جسرٌ يربط بينهم، ويمنحهم شعوراً بالانتماء المشترك. ولهذا تصبح المحافظة على العرف والتراث ضرورة ثقافية ووطنية، لا مجرد حنين إلى الماضي. فالمجتمعات التي تفقد ذاكرتها تفقد قدرتها على الاستمرار. ومن هنا تأتي أهمية حفظ التراث الكردفاني، وتعليمه للأجيال الجديدة، وتشجيع الدراسات التي تُعنى بتاريخ الإقليم وثقافته وتفعيل دور الإعلام في هذا الصدد. إن كردفان اليوم بحاجة إلى مشروع وعيٍ يحفظ نسيجها الاجتماعي؛ مشروع يجعل من التراث قوةً للتجدد، ومن الهوية أساساً للوحدة، ومن العرف قيمةً أخلاقية تُسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكاً وإنسانية. فحين تحافظ كردفان على روحها، فإنها لا تحمي نفسها وحدها، بل تحمي جزءاً أصيلاً من روح السودان كله.
مشاركة الخبر علي :