حديث الساعة الهام سالم منصور *جيل تحت النار… كيف تحولت حرب السودان إلى محرقة لأحلام الشباب؟*
ما يحدث في السودان اليوم لم يعد مجرد حرب بين أطراف متصارعة، بل أصبح مأساة وطنية كبرى تدفع ثمنها الأجيال القادمة قبل الحاضر. فالحروب حين تطول لا تقتل الناس فقط، وإنما تقتل الأحلام، وتدمر الوعي، وتمزق روح المجتمع، وهذا ما يعيشه السودان بكل تفاصيله المؤلمة. إن أكثر ما يدعو للحزن أن هذه الحرب تدور بأيدي شباب السودان أنفسهم. شباب القوات المسلحة، وشباب الدعم السريع، وشباب الحركات المسلحة المساندة، جميعهم أبناء هذا الوطن، خرجوا من أحياء واحدة وقرى متجاورة ومدن تحمل ذات الوجع السوداني، لكنهم وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة بعضهم البعض، يحملون السلاح بدلاً من حمل أدوات البناء والعلم والحياة. كان من المفترض أن يكون هؤلاء الشباب في الجامعات وقاعات الدراسة، في المصانع والمزارع والمستشفيات، يبنون السودان الذي حلمت به الأجيال السابقة، لكن الحرب اختطفت أعمارهم وحولت الكثير منهم إلى وقود لمعركة يدفع فيها الوطن كله الثمن. إن أخطر ما تفعله الحرب اليوم ليس فقط القتل والدمار، وإنما إعادة تشكيل وعي جيل كامل على الخوف والعنف والكراهية. فالطفل الذي يكبر على صوت الرصاص لن يرى الحياة كما يراها طفل عاش في بيئة آمنة مستقرة، والشاب الذي يفقد سنوات عمره بين المعارك والنزوح والحرمان سيحمل داخله ندوباً نفسية واجتماعية قد تمتد لعقود طويلة. لقد أصبح السودان يفقد شبابه بصورة مخيفة؛ منهم من يسقط في ساحات القتال، ومنهم من يضيع في طرقات الهجرة والنزوح، ومنهم من فقد الأمل تماماً في وطن كان من الممكن أن يمنحه مستقبلاً عظيماً. وهذه ليست خسارة عادية، لأن الأمم لا تقاس فقط بثرواتها الطبيعية، وإنما تقاس بقيمة إنسانها وشبابها وقدرتهم على صناعة المستقبل. المؤلم أيضاً أن كثيراً من الشباب دخلوا هذه الحرب وهم يحملون أحلاماً بسيطة؛ أن يعيشوا بكرامة، أن يجدوا فرصة عمل، أن يساعدوا أسرهم، لكنهم وجدوا أنفسهم وسط دائرة من الدم والدموع والانقسامات. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية، حين يصبح السلاح هو الطريق الوحيد أمام الشباب، وحين تضيق مساحات الأمل إلى هذا الحد المخيف. إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من البنادق، بل يحتاج إلى مشروع وطني يعيد بناء الإنسان السوداني أولاً. يحتاج إلى دولة تعيد للشباب ثقتهم في الحياة، وتمنحهم فرصة التعليم والعمل والاستقرار، وتبعدهم عن الاستقطاب والكراهية وخطابات الحرب. فلا الجيش وحده سيكسب إذا خسر السودان شبابه، ولا أي قوة أخرى يمكن أن تحقق انتصاراً حقيقياً فوق أنقاض جيل كامل. لأن الوطن حين يخسر أبناءه يخسر مستقبله كله، وتصبح كل الانتصارات العسكرية بلا معنى أمام حجم الخراب الإنساني والاجتماعي. إن الحرب لا تميز بين أم في الشمال تبكي ابنها في الجيش، أو أم في دارفور تبكي ابنها في الدعم السريع، أو أسرة فقدت أبناءها داخل أي حركة مسلحة أخرى. فكل بيت سوداني أصبح يحمل جزءاً من هذا الحزن الكبير، وكل أم سودانية أصبحت تخاف على فلذة كبدها من أن يتحول إلى رقم جديد في قائمة الموت الطويلة. لقد آن الأوان أن يدرك الجميع أن السودان أكبر من الصراعات الضيقة، وأن الشباب ليسوا وقوداً للحروب ولا أدوات لتحقيق المكاسب السياسية. الشباب هم روح الوطن الحقيقية، وإذا ضاعت هذه الروح فلن يبقى شيء يمكن إنقاذه. إن التاريخ سيقف طويلاً أمام هذه المرحلة القاسية، وسيسأل: كيف تحولت أرض الحضارات والثقافات والتسامح إلى ساحة تستنزف أبناءها بهذه الصورة؟ وكيف سمح الجميع بأن يصبح مستقبل السودان معلقاً على فوهة بندقية؟ ورغم هذا الألم كله، يبقى الأمل قائماً في وعي السودانيين وقدرتهم على تجاوز المحنة، لأن الشعوب العظيمة لا تموت مهما اشتدت الجراح. وسيأتي يوم يدرك فيه الجميع أن بناء الوطن أعظم بكثير من هدمه، وأن الشباب الذين أحرقتهم الحرب كانوا يستحقون حياة أجمل ووطنًا أكثر عدلاً وأماناً. الجمعة ١٥مايو٠٢٦
مشاركة الخبر علي :