حديث الساعة الهام سالم منصور صاحبة الجلالة ليست ساحة للفتن.. الصحافة السودانية بين شرف الكلمة وفوضى المنابر
منذ فجر التاريخ ظلت الصحافة تُعرف بأنها سلطة الوعي وحارسة الحقيقة ومرآة الشعوب، فهي ليست مجرد مهنة لنقل الأخبار أو صناعة العناوين، وإنما رسالة وطنية وأخلاقية عظيمة تقوم على حماية المجتمع وكشف الحقائق والدفاع عن مصالح الناس. ولهذا استحقت أن تُلقب بـ«صاحبة الجلالة»، لأن الكلمة الصادقة كانت دائماً أقوى من كثير من الأسلحة، وأكثر تأثيراً في صناعة الرأي العام وتوجيه المجتمعات. غير أن المشهد الإعلامي في السودان يمر اليوم بمرحلة شديدة التعقيد، اختلطت فيها المهنية بالفوضى، والرسالة الإعلامية بالصراعات الشخصية، حتى أصبحت بعض المنابر وساحات التواصل الاجتماعي مسرحاً للمهاترات وإثارة الجدل ونشر الاتهامات دون التحقق من الحقائق أو مراعاة لميثاق الشرف الصحفي. فالصحافة الحقيقية ليست مهنة للبحث عن المتاعب كما يردد البعض، بل هي مهنة البحث عن الحقيقة، والحقيقة وحدها. والصحفي المهني لا يتحرك بدافع الانتقام أو تصفية الحسابات أو صناعة الإثارة الرخيصة من أجل زيادة المشاهدات والتفاعل، وإنما يتحرك بعقل المسؤولية الوطنية وضمير الكلمة وأخلاقيات المهنة. لقد أفرزت السنوات الأخيرة واقعاً إعلامياً خطيراً، حيث أصبح بإمكان أي شخص أن يحمل هاتفاً ويطلق على نفسه صفة إعلامي أو صحفي، دون معرفة بأصول العمل الصحفي أو قواعد التحقق أو مسؤولية النشر. ومع غياب الضوابط المهنية في بعض المنصات، انتشرت الشائعات وتضخمت الأخبار غير الدقيقة، وأصبحت بعض الأقلام تساهم – بقصد أو دون قصد – في تعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية وإشعال نار الفتن داخل المجتمع. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن الإعلام حين يبتعد عن رسالته الوطنية يتحول من أداة لبناء الدولة إلى معول هدم يهدد استقرار المجتمع ويزرع الشك والكراهية بين الناس. فالكلمة غير المسؤولة قد تشعل أزمة، والخبر غير الدقيق قد يهدم مؤسسة، والشائعة قد تفتك بوطن بأكمله. إن مواجهة الفساد واجب وطني لا خلاف حوله، لكن محاربة الفساد لا تكون عبر الاتهامات المجانية أو نشر معلومات غير موثقة أو اغتيال الشخصيات، وإنما عبر الصحافة الاستقصائية المهنية القائمة على الوثائق والأدلة واحترام القانون وحق الرد. فالصحفي الحقيقي لا يصدر الأحكام، بل يقدم الحقائق للرأي العام بمهنية وتجرد، ويترك للقضاء والقانون مهمة الفصل. كما أن المرحلة الدقيقة التي يعيشها السودان تتطلب خطاباً إعلامياً وطنياً موحداً يضع مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية والسياسية، لأن البلاد تواجه تحديات أمنية وسياسية واجتماعية كبيرة، ولا يمكن تجاوزها بإعلام مأزوم أو خطاب مليء بالكراهية والتخوين والاستقطاب. إن الصحافة السودانية كانت في يوم من الأيام مدرسة عريقة أنجبت أقلاماً عظيمة صنعت الوعي الوطني وأسهمت في تشكيل وجدان الشعب السوداني، وكانت الصحف منابر للفكر والثقافة والحوار الراقي، لا ساحات للصراعات والإساءات الشخصية. ولذلك فإن استعادة ذلك المجد القديم تبدأ بإعادة الاعتبار لأخلاقيات المهنة، وتأهيل الصحفيين، وتعزيز ثقافة المسؤولية في النشر، والابتعاد عن اللهث وراء الإثارة الرخيصة. إن الإعلام القوي ليس هو الأعلى صوتاً، بل الأكثر مصداقية وتأثيراً واحتراماً لعقول الناس. فالكلمة أمانة، والصحافة مسؤولية تاريخية، والوطن اليوم في أشد الحاجة إلى إعلام يبني ولا يهدم، يوحد ولا يفرق، ينشر الوعي لا الفتن، ويعيد لصاحبة الجلالة السودانية مكانتها التي تستحقها بين الأمم. الاربعاء ٢٠مايو٢٠٢٦
مشاركة الخبر علي :