بقلم د.سعاد فقيري *في رحيل الفنان السوداني الراحل مجذوب أونسة*

لا تبكي الساحة الفنية وحدها، بل تبكي معه ذاكرة وطن كاملة، كانت تجد في صوته دفئًا وفي حضوره طمأنينة، وفي أغنياته شيئًا يشبه الناس البسطاء وهم يسيرون في طرقات الحياة بأحلامهم الصغيرة وأوجاعهم الكبيرة.
كان مجذوب أونسة واحدًا من أولئك الذين لا يمرّون على الحياة مرورًا عابرًا، بل يتركون أثرًا يشبه العطر في ثياب الزمن، وصوتًا يظل عالقًا في وجدان السودانيين مهما تعاقبت السنوات.
الكتابة
حين غاب الصوت الدافئ… رحل مجذوب أونسة وترك الوطن وحيدًا أمام الحنين
هناك أصوات لا تُغنّي فقط، بل تُربّي الوجدان، وتزرع في الأرواح مساحات من الألفة والمحبة، فإذا غابت شعر الناس وكأن جزءًا من أيامهم الجميلة قد انطفأ.
وهكذا كان رحيل الفنان الإنسان مجذوب أونسة… رحيلًا موجعًا، ثقيلًا على القلوب، كأن السودان كله وقف فجأة أمام مرآة الفقد وهو يردد بحزن:
"حد يقدر ينسى نفسه؟".
من أقصى الشمال، من أرض التاريخ والعراقة، من مدينة بربر التي عبرتها القوافل وحفظت أصوات المسافرين وحنين العائدين، خرج ذلك الفتى الهادئ يحمل في صوته شيئًا من دفء النيل وهيبة المكان.
ومن قرية "نقزو" التي تغنى لها الناس حبًا وشوقًا، بدأ مجذوب أونسة رحلته نحو قلوب السودانيين، لا بالصخب، بل بالعذوبة والصدق والبساطة.
كان صوته يشبه السودان القديم…
صوتًا نقيًا، بلا تكلف، يدخل القلوب من أبوابها الهادئة.
وحين يغني، تشعر أن الكلمات خُلقت لأجله وحده، وأن الألحان وجدت فيه مسكنها الحقيقي.
لم يكن مجذوب أونسة مجرد مطرب يؤدي الأغنيات، بل كان حالة وجدانية خاصة.
كان يغني للوطن كما يغني للحب، ويمنح المستمع إحساسًا بأن الفن رسالة أخلاقية قبل أن يكون شهرة أو ظهورًا.
وحين صدح بـ: “عزيز إنت يا وطني”
لم تكن أغنية عابرة، بل كانت نشيد محبة صادق خرج من قلب يعرف قيمة الأرض والانتماء.
وحين غنى: “كنت فاكرك لي”
كان ينساب بصوته في وجدان العشاق كنسمة حزينة لا تُنسى.
أما أداؤه فكان مدرسة قائمة بذاتها؛
هدوء في النبرة، وإحساس عالٍ بالكلمة، وقدرة نادرة على إيصال المعنى دون افتعال.
لم يكن يعتمد على القوة بقدر ما كان يعتمد على الصدق، ولذلك أحبه الناس من مختلف الأجيال.
وقد شكّل مع شقيقه الشاعر حسين أونسة ثنائية إبداعية راقية، صنعت أغنيات بقيت حيّة في الذاكرة السودانية، لأن العلاقة بين الكلمة والصوت كانت علاقة روح بروح.
وكان الراحل ابن بيئة مدهشة في عطائها الثقافي، تلك الأرض التي أنجبت القامات الكبيرة من شعراء ومفكرين ومبدعين، فخرج منها وهو يحمل ذلك المزيج النادر من التواضع والرقي والأدب.
عرفه الناس مبتسمًا دائمًا…
قريبًا من الجميع…
لا يعرف التعالي طريقًا إلى قلبه.
كان يدخل المجالس بخفة الروح، ويغادرها تاركًا أثر المحبة.
حتى زملاؤه في الوسط الفني كانوا يرونه أخًا قبل أن يكون فنانًا، ولذلك جاء رحيله كالصاعقة على قلوب محبيه.
الموجع في الحكاية أن الفقد جاء عبر حادث حركة أليم، ليعيد إلى الأذهان سلسلة الأحزان التي فقدت فيها الساحة الفنية السودانية أسماءً كبيرة، وكأن الطرقات صارت تخطف الأصوات الجميلة واحدًا تلو الآخر.
لكن الفنان الحقيقي لا يرحل تمامًا…
يبقى في الأغنيات، وفي الذكريات، وفي اللحظات التي نستعيد فيها أصواتهم لنقاوم قسوة الأيام.
سيبقى مجذوب أونسة حاضرًا كلما صدحت الإذاعات بأغنياته، وكلما جلس سوداني يستعيد زمن الفن الجميل، وكلما احتاج الوطن إلى صوت يشبهه في الطيبة والصدق.
رحل الجسد…
لكن ذلك الصوت الدافئ سيظل يسكن الوجدان طويلًا.
رحم الله الفنان الإنسان مجذوب أونسة،
وألهم أهله ومحبيه وزملاءه الصبر والسلوان،
وجعل ما قدمه من جمال وفن صادق نورًا يضيء سيرته في ذاكرة الوطن.
لن ننساك يا مجذوب…
فالأصوات النبيلة لا تموت.
مشاركة الخبر علي :