حديث الساعة الهام سالم منصور من يقف وراء المنصات المأجورة لانهيار الإعلام الوطني؟ ولماذا يُستهدف الوزير خالد الإعيسر؟ قراءة موسعة في المشهد السياسي والإعلامي السوداني
في زمن الحروب الحديثة لم تعد المعارك تُحسم فقط بصوت المدافع والطائرات، بل أصبحت تُدار أيضًا عبر الشاشات والهواتف والمنصات الإلكترونية، حيث تحولت الكلمة إلى سلاح خطير قادر على هدم الدول أو حماية الأوطان. والسودان اليوم يعيش واحدة من أعقد الحروب الإعلامية في تاريخه، معركة تستهدف الوعي الجمعي للمواطن السوداني قبل أن تستهدف الأرض نفسها.
ومن يراقب المشهد الإعلامي خلال الفترة الأخيرة يلاحظ بوضوح حجم الفوضى التي اجتاحت الفضاء الإعلامي، عبر منصات وصفحات وقنوات تعمل بصورة منظمة ومستمرة على نشر الإشاعات والتشكيك في مؤسسات الدولة، وضرب الروح الوطنية، وبث خطاب الإحباط والانقسام والكراهية وسط المجتمع السوداني. هذه المنصات لا تتحرك بعشوائية كما يعتقد البعض، بل وفق أجندات سياسية وتمويل معلوم الأهداف، هدفه الأساسي إضعاف الدولة السودانية من الداخل وإسقاط ثقة المواطن في جيشه ومؤسساته وإعلامه الوطني.
لقد أصبح الإعلام في السودان ساحة حرب مفتوحة، بل ربما أخطر من ساحات القتال نفسها، لأن الحرب العسكرية يمكن أن تُهزم بالقوة، لكن الحرب الإعلامية إذا نجحت في هدم الوعي الوطني فإن آثارها تبقى لسنوات طويلة. ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول بعض المنصات إلى أدوات تعبئة وتحريض وتزييف للرأي العام، تستهدف كل صوت يتحدث باسم الدولة أو يدافع عن وحدة السودان وسيادته الوطنية.
وفي قلب هذه المعركة يبرز اسم الوزير خالد الإعيسر باعتباره واحدًا من أكثر الشخصيات تعرضًا للهجوم والاستهداف الإعلامي خلال المرحلة الأخيرة، ليس لأنه شخصية جدلية فقط، بل لأنه اختار الوقوف في الصف الأمامي لمعركة الإعلام الوطني، في وقت انسحب فيه كثيرون أو فضلوا الصمت والحياد.
الإعيسر أصبح بالنسبة للكثيرين واجهة المعركة الإعلامية الرسمية، والرجل الذي حمل ملف الرواية السودانية إلى الخارج، وتحدث بوضوح عن حجم الاستهداف الذي تتعرض له البلاد إعلاميًا وسياسيًا. ولذلك فإن استهدافه لم يكن حدثًا معزولًا، بل جزءًا من معركة أكبر تستهدف إسكات أي صوت قادر على مخاطبة الداخل والخارج بلغة قوية وواثقة.
الحملات التي تُشن ضده تتخذ أشكالًا متعددة؛ مرة عبر الشائعات، ومرة عبر اجتزاء التصريحات، وأحيانًا عبر حملات منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي هدفها تشويه صورته وإظهاره كخصم لفئات معينة، بينما الحقيقة أن الرجل يخوض معركة تتعلق بهيبة الدولة والسيادة الوطنية في توقيت بالغ الحساسية.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه المنصات لا تعمل فقط بدوافع سياسية داخلية، بل أصبحت مرتبطة بمصالح خارجية وأجهزة إعلامية إقليمية ودولية تسعى لإعادة تشكيل المشهد السوداني بما يخدم أجنداتها الخاصة. فالسودان بلد غني بالموقع والثروات والتأثير الجيوسياسي، ولذلك ظل مستهدفًا عبر أدوات متعددة، من بينها الإعلام والحرب النفسية.
إن استهداف الإعلام الوطني ليس هدفه النقد أو الإصلاح كما يُروج البعض، بل الهدف الحقيقي هو خلق حالة من الفوضى وفقدان الثقة، حتى يصبح المواطن عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والكذب، وبين المعلومة الوطنية والدعاية المعادية. وهنا تكمن خطورة المنصات المأجورة، لأنها لا تعمل على نقل الخبر فقط، بل على صناعة اتجاهات نفسية وسياسية تؤثر في استقرار المجتمع والدولة.
ومع الأسف، فإن بعض أبناء الوطن أصبحوا جزءًا من هذه المعركة دون وعي، عبر إعادة نشر الأخبار المضللة والمحتويات المفبركة وخطابات الكراهية، ظنًا منهم أنهم يمارسون حرية التعبير، بينما هم في الحقيقة يساهمون في إضعاف وطنهم وخدمة أجندات لا تريد الخير للسودان.
ولا يعني الدفاع عن الإعلام الوطني أن الإعلام الرسمي خالٍ من الأخطاء، فكل المؤسسات تحتاج إلى مراجعة وتطوير وانفتاح أكبر على قضايا المواطنين، لكن الفرق كبير بين النقد الوطني المسؤول وبين حملات الهدم المنظمة التي تستهدف الدولة نفسها. فالنقد البنّاء مطلوب، أما التحريض والتشويه والعمل على إسقاط الروح الوطنية فذلك أمر مختلف تمامًا.
إن السودان اليوم يحتاج إلى مشروع إعلامي وطني جديد، يقوم على المهنية والوعي والصدق، ويكون قادرًا على مواجهة حملات التضليل والحرب النفسية التي تُدار ضد البلاد. كما يحتاج إلى اصطفاف وطني واسع يدرك أن معركة الإعلام أصبحت جزءًا أساسيًا من معركة الكرامة والسيادة والاستقرار.
فالبلاد التي تفقد إعلامها الوطني، تفقد قدرتها على حماية وعي شعبها، وحين يضيع الوعي يصبح الوطن مفتوحًا أمام الفوضى والانهيار والتدخلات الخارجية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: من يقف وراء المنصات المأجورة؟
بل السؤال الأخطر: هل نحن مستعدون لحماية إعلامنا الوطني ووعي شعبنا قبل فوات الأوان؟
الجمعة ٢٩مايو ٢٠٢٦
مشاركة الخبر علي :