بقلم د. سعاد فقيري عقارات الخرطوم مجهولة الورثة.. كيف نعالج معضلة المائة عام؟
أعاد تصريح والي الخرطوم حول وجود منازل وعقارات بوسط الخرطوم لا يُعرف لها ورثة منذ أكثر من مائة عام فتح واحد من أكثر الملفات تعقيدًا في تاريخ العاصمة السودانية. فالمسألة لا تتعلق بمبانٍ مهجورة فحسب، وإنما بحقوق ملكية متشابكة، ووثائق مفقودة، وأجيال تعاقبت دون حسم قانوني واضح.
ومع دخول السودان مرحلة إعادة الإعمار، يصبح من الضروري وضع رؤية وطنية متكاملة لمعالجة هذا الملف بصورة تحفظ الحقوق الخاصة وتحقق المصلحة العامة في آن واحد.
أولاً: تشخيص المشكلة
تعود أسباب الظاهرة إلى عدة عوامل:
وفاة الملاك الأصليين دون إجراءات حصر إرث مكتملة.
هجرة الأسر إلى خارج السودان عبر أجيال متعاقبة.
ضياع أو تلف بعض الوثائق التاريخية.
تعدد أنظمة التسجيل العقاري عبر الحقب المختلفة.
النزاعات الأسرية الممتدة حول الملكية.
غياب التحديث الدوري للسجلات العقارية.
ونتيجة لذلك أصبحت بعض العقارات خارج دائرة الاستفادة الاقتصادية والتنموية رغم وجودها في أهم المواقع الاستثمارية بالعاصمة.
ثانياً: المبادئ القانونية الحاكمة
أي معالجة لهذا الملف يجب أن تقوم على خمسة مبادئ:
1. قدسية الملكية الخاصة
الملكية حق دستوري لا يجوز مصادرته أو التصرف فيه إلا وفق القانون.
2. حماية حق الورثة
حتى لو طال الزمن تبقى حقوق الورثة قائمة متى ما ثبتت قانوناً.
3. المصلحة العامة
لا يجوز ترك العقارات مهجورة لعقود طويلة بما يضر بالمجتمع والاقتصاد.
4. الشفافية
جميع الإجراءات يجب أن تكون معلنة وقابلة للطعن.
5. الرقابة القضائية
القضاء هو المرجعية النهائية في الفصل في الملكية.
ثالثاً: الحل القانوني المقترح
إنشاء "مفوضية حصر وتسوية العقارات التاريخية"
تضم:
السلطة القضائية.
وزارة العدل.
مصلحة الأراضي.
السجل المدني.
هيئة الآثار.
ديوان المراجعة القومي.
خبراء قانونيين ومختصين في التوثيق.
دار الوثائق القومية (المركزية).
وزارة التنمية العمرانية.
وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي.
وتمنح صلاحيات استثنائية لفترة زمنية محددة.
ويأتي إشراك هذه الجهات لأسباب جوهرية؛ فدار الوثائق القومية تمثل الذاكرة التاريخية للدولة، وقد تحتوي سجلاتها وخرائطها ووثائقها القديمة على معلومات حاسمة تساعد في إثبات الملكيات وتتبع انتقالها عبر الأجيال. أما وزارة التنمية العمرانية فتضطلع بدور أساسي في مواءمة نتائج التسوية العقارية مع المخططات الهيكلية وإعادة إعمار الخرطوم وفق رؤية حضرية حديثة. بينما تتولى وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي وضع الضوابط المالية اللازمة لإدارة العائدات الناتجة عن العقارات الخاضعة للحراسة القانونية أو الاستثمار المؤقت، بما يضمن الشفافية وحسن توظيف الموارد في مشروعات التنمية العامة.
رابعاً: خطة العمل التنفيذية
المرحلة الأولى: الحصر الشامل
إعداد قاعدة بيانات رقمية تشمل:
موقع العقار.
رقمه.
آخر مالك معروف.
تاريخ آخر معاملة قانونية.
حالته الراهنة.
المرحلة الثانية: فتح باب المطالبات
يتم الإعلان عبر:
الصحف.
التلفزيون.
الإذاعات.
السفارات السودانية بالخارج.
المنصات الإلكترونية.
ويمنح الورثة فترة لا تقل عن عامين لتقديم المستندات.
المرحلة الثالثة: التحقيق والتوثيق
يتم فحص:
شهادات البحث.
حجج الإرث.
الوثائق العدلية.
السجلات التاريخية.
شهادات الشهود عند الضرورة.
المرحلة الرابعة: التحكيم القضائي
العقارات المتنازع عليها تحال إلى دوائر قضائية خاصة للفصل السريع.
خامساً: ماذا نفعل بالعقارات التي لا يظهر لها مالك؟
بعد استنفاد جميع وسائل الإعلان والبحث لمدة قانونية كافية يمكن تطبيق نموذج "الحراسة القانونية".
بحيث:
لا تنتقل الملكية للدولة مباشرة.
تظل الملكية محفوظة.
تتولى الدولة إدارة العقار مؤقتاً.
تودع الإيرادات في صندوق خاص.
فإذا ظهر الورثة لاحقاً تُرد لهم حقوقهم وفق القانون.
سادساً: إنشاء صندوق عقارات الخرطوم التاريخية
تُخصص عائدات العقارات غير المستغلة إلى:
ترميم المباني التاريخية.
تحسين الخدمات.
إعادة إعمار وسط الخرطوم.
تطوير البنية التحتية.
مع خضوع الصندوق للمراجعة السنوية.
سابعاً: التحول الرقمي
لن تنجح أي معالجة دون تحديث السجل العقاري.
لذلك يجب:
رقمنة جميع السجلات.
إنشاء خريطة عقارية إلكترونية.
ربط الأراضي بالسجل المدني.
استخدام نظم المعلومات الجغرافية.
إنشاء أرشيف إلكتروني دائم.
ثامناً: الاستفادة من التجارب الدولية
العديد من الدول واجهت المشكلة نفسها مثل:
مصر في العقارات القديمة بوسط القاهرة.
المغرب في الأملاك المهملة.
تركيا في الأوقاف والعقارات التاريخية.
بريطانيا في الممتلكات عديمة الورثة.
واستطاعت إيجاد توازن بين حماية الملكية وتحقيق المنفعة العامة.
تاسعاً: تكامل التوثيق والتنمية والإدارة المالية
إن نجاح هذه المبادرة يتطلب تكامل الأدوار بين المؤسسات العدلية والتوثيقية والتنموية والمالية، لأن القضية لا تتعلق بمجرد إثبات ملكية عقار أو تحديد وريث، بل ترتبط بإعادة بناء الثقة في منظومة الدولة نفسها.
فكل وثيقة يتم استعادتها، وكل ملكية يتم توثيقها، وكل عقار يعود إلى دائرة الاستثمار والإنتاج، يمثل خطوة نحو إعادة إحياء قلب الخرطوم الاقتصادي والتاريخي.
كما أن الاستفادة من أرشيف دار الوثائق القومية، وربط نتائج الحصر بخطط وزارة التنمية العمرانية، وإخضاع الموارد الناتجة لإشراف وزارة المالية، سيحوّل هذا الملف من أزمة قانونية متراكمة إلى مشروع وطني متكامل للإصلاح العقاري وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة.
الخاتمة
إن ملف العقارات مجهولة الورثة في الخرطوم ليس أزمة مستعصية، بل فرصة لإصلاح شامل لمنظومة الأراضي والتوثيق العقاري في السودان. والمطلوب ليس المصادرة أو التجاوز على الحقوق، وإنما بناء آلية قانونية عادلة وشفافة تكشف المالك الحقيقي إن وجد، وتحفظ حقه، وتمنع في الوقت نفسه تجميد قلب العاصمة لعقود أخرى.
فالخرطوم التي تستعد للنهوض بعد الحرب تحتاج إلى سجل عقاري حديث، وعدالة قانونية راسخة، ورؤية تنموية تجعل من كل عقار مهجور فرصة للبناء لا سببًا للنزاع، ومن كل وثيقة مفقودة دافعًا لتأسيس نظام وطني متطور يحفظ الحقوق للأجيال القادمة.
وعندما تلتقي العدالة بالتوثيق، والتخطيط العمراني بالإدارة الرشيدة، والإدارة المالية بالشفافية والمساءلة، يمكن للخرطوم أن تحول واحداً من أكثر ملفاتها تعقيداً إلى واحدة من أهم قصص النجاح في مرحلة ما بعد الحرب، لتصبح العقارات المهجورة جسوراً نحو التنمية، لا بؤراً للنزاع أو التجميد، وليكون سجل الملكية الحديث أحد أعمدة بناء السودان الجديد.
مشاركة الخبر علي :