حديث الساعة الهام سالم منصور مبادرة البرهان بين التأييد والانتقاد.. ماذا وراء هجوم إبراهيم الميرغني؟
أثارت التصريحات المنسوبة إلى إبراهيم الميرغني بشأن مبادرة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان جدلاً واسعاً في الساحة السياسية السودانية، خاصة في ظل المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد وما يحيط بها من تعقيدات داخلية وضغوط إقليمية ودولية. فالمبادرة التي طُرحت باعتبارها خطوة نحو توسيع دائرة الحوار الوطني وإشراك القوى السياسية والمجتمعية في رسم ملامح المرحلة المقبلة، وجدت في المقابل من يراها مدخلاً لعودة تيارات أو قوى سياسية بعينها إلى المشهد العام. ومن خلال قراءة تحليلية للمشهد، يمكن القول إن الجدل الدائر لا يتعلق بالمبادرة نفسها بقدر ما يتعلق بالسؤال الأهم: من سيشارك في تشكيل مستقبل السودان السياسي بعد الحرب؟ فهذه القضية أصبحت محور الصراع الحقيقي بين مختلف القوى والتيارات السياسية، حيث يسعى كل طرف إلى ضمان موقعه وتأثيره في معادلة ما بعد الأزمة. يرى المنتقدون أن أي مبادرة وطنية يجب أن تكون واضحة المعايير والأهداف والضمانات، حتى لا تتحول إلى منصة تمنح أفضلية لطرف على حساب آخر. وفي المقابل، يرى المؤيدون أن السودان بحاجة إلى أوسع قاعدة ممكنة من التوافق الوطني، وأن استبعاد أي مكون سياسي أو اجتماعي قد يؤدي إلى إنتاج أزمة جديدة بدلاً من معالجة الأزمة الحالية. أبعاد داخلية داخلياً، تأتي المبادرة في توقيت يشهد حراكاً سياسياً متسارعاً، مع تزايد الحديث عن ترتيبات المرحلة المقبلة وشكل الحكم ومستقبل القوى السياسية. لذلك فإن أي خطوة نحو الحوار أو التوافق الوطني ستواجه تلقائياً بحسابات الربح والخسارة السياسية. كما أن هناك مخاوف لدى بعض الأطراف من أن تؤدي المبادرة إلى إعادة تشكيل التحالفات السياسية بصورة قد تغير موازين القوى التقليدية، وهو ما يفسر حدة بعض المواقف الرافضة أو المتحفظة تجاهها. وفي المقابل، تنظر أطراف أخرى إلى المبادرة باعتبارها فرصة لإنهاء حالة الاستقطاب وفتح صفحة جديدة تقوم على التوافق الوطني. أبعاد خارجية أما على المستوى الخارجي، فإن المجتمع الدولي ظل يراقب تطورات المشهد السوداني باهتمام كبير، خاصة فيما يتعلق بمسار الاستقرار السياسي وإعادة بناء مؤسسات الدولة. ولذلك فإن أي مبادرة للحوار الوطني تحمل في طياتها رسائل متعددة للخارج، مفادها أن السودانيين قادرون على إنتاج حلولهم الوطنية بعيداً عن الوصاية والتدخلات الأجنبية. وفي الوقت نفسه، تدرك القوى الإقليمية والدولية أن استقرار السودان يمثل عاملاً مهماً في استقرار المنطقة بأكملها، مما يجعل أي مشروع سياسي جامع محط اهتمام ومتابعة من مختلف الأطراف الخارجية. ما وراء المبادرة؟ من الناحية السياسية، تبدو المبادرة محاولة لخلق أرضية مشتركة تجمع القوى الوطنية حول قضايا الدولة الكبرى، وفي مقدمتها الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار ووحدة البلاد. كما يمكن النظر إليها باعتبارها سعياً لتوسيع دائرة المشاركة الوطنية وتقليل حدة الاستقطاب الذي أضعف الساحة السياسية خلال السنوات الماضية. لكن نجاح أي مبادرة يظل مرهوناً بقدرتها على كسب ثقة مختلف الأطراف، وتقديم ضمانات حقيقية بأن المصلحة الوطنية ستكون فوق الحسابات الحزبية والجهوية الضيقة. خاتمة إن الجدل حول مبادرة البرهان يعكس في جوهره حجم التنافس على مستقبل السودان أكثر مما يعكس خلافاً حول المبادرة ذاتها. وبين المؤيدين والمنتقدين تبقى الحقيقة الأهم أن البلاد تحتاج إلى مشروع وطني جامع يضع حداً للانقسامات، ويحافظ على مؤسسات الدولة، ويفتح الباب أمام توافق سياسي يشارك فيه أبناء السودان كافة دون إقصاء أو احتكار. فالسودان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، وأي مبادرة تُطرح في هذا التوقيت ستظل خاضعة للنقاش والاختبار، لكن معيار نجاحها الحقيقي سيكون في قدرتها على خدمة الوطن وتحقيق تطلعات شعبه نحو الأمن والاستقرار والسلام الدائم. الاثنين ١يونيو٢٠٢٦
مشاركة الخبر علي :