بقلم د. سعاد فقيري هل أصبح تاريخ السودان دمويًا؟ وكيف نوقف نزيف الاقتتال القبلي؟ .
في الوقت الذي يتطلع فيه السودانيون إلى الأمن والاستقرار وإعادة بناء ما دمرته الحرب، تعود إلى الواجهة أخبار مؤلمة عن الاشتباكات القبلية بين أبناء الوطن الواحد، وآخرها ما يدور من مواجهات بين قبيلتي السلامات وبني هلبة، وهي أحداث تعيد إلى الأذهان سلسلة طويلة من النزاعات القبلية التي أرهقت السودان وأزهقت أرواحًا عزيزة وخلفت جراحًا اجتماعية عميقة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل أصبح تاريخ السودان تاريخًا دمويًا؟
الإجابة المنصفة هي: لا.
فالسودان عبر تاريخه الطويل لم يُعرف بالحروب القبلية وحدها، بل عُرف أيضًا بالتعايش والتسامح والتداخل الاجتماعي والثقافي الفريد. لقد عاشت مئات القبائل والأعراق والأديان في السودان قرونًا طويلة في حالة من التعايش والتكامل، وأسهمت جميعها في بناء الهوية الوطنية السودانية.
غير أن ضعف الدولة في بعض الفترات، وانتشار السلاح، والتنافس على الموارد، وتسييس الانتماءات القبلية، كلها عوامل جعلت بعض النزاعات المحلية تتحول إلى صراعات دامية.
لماذا تتكرر الاشتباكات القبلية؟
هناك عدة أسباب تقف وراء هذه الظاهرة، أبرزها:
أولاً: انتشار السلاح
عندما يصبح السلاح متاحًا خارج إطار الدولة، تتحول أي مشكلة صغيرة إلى مواجهة كبيرة يصعب احتواؤها.
ثانيًا: النزاع على الموارد
الصراع حول المراعي ومصادر المياه والمسارات الزراعية ظل أحد أهم أسباب النزاعات في مناطق عديدة من السودان.
ثالثًا: ضعف الإدارة الأهلية الحديثة
رغم الدور التاريخي للإدارة الأهلية في فض النزاعات، إلا أن تراجع دورها أو تسييسه أضعف قدرتها على التدخل المبكر.
رابعًا: غياب التنمية
الفقر والبطالة والتهميش تخلق بيئة خصبة للتوترات والصراعات.
خامسًا: خطاب الكراهية
وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت في بعض الأحيان منصة لنشر الشائعات والتحريض وإشعال الفتن بين المجتمعات المحلية.
ماذا يخسر السودان؟
كل رصاصة تُطلق في نزاع قبلي لا تقتل فردًا فقط، بل تصيب الوطن كله.
فالاقتتال القبلي يؤدي إلى:
فقدان الأرواح.
نزوح الأسر وتشريدها.
تعطيل الزراعة والرعي والتجارة.
تفكيك النسيج الاجتماعي.
إضعاف سلطة الدولة.
تعطيل جهود التنمية وإعادة الإعمار.
والأخطر من ذلك أنه يورث الأحقاد للأجيال القادمة إذا لم تتم معالجته بحكمة وعدالة.
الخطة الوطنية لمعالجة النزاعات القبلية
إن معالجة الأزمة لا تتم عبر الحلول الأمنية وحدها، وإنما من خلال مشروع وطني متكامل يقوم على عدة محاور:
المحور الأول: فرض هيبة الدولة
جمع السلاح من المدنيين.
منع تكوين أي قوات قبلية مسلحة.
تعزيز وجود الشرطة والقضاء في مناطق النزاع.
تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
المحور الثاني: المصالحات المجتمعية
عقد مؤتمرات صلح حقيقية.
إشراك القيادات الأهلية والدينية والشبابية.
توثيق الاتفاقات وضمان تنفيذها.
إنشاء مجالس دائمة للسلم الاجتماعي.
المحور الثالث: التنمية المتوازنة
توفير المياه والخدمات الأساسية.
إنشاء مشروعات إنتاجية مشتركة بين المكونات القبلية.
دعم التعليم والصحة والبنية التحتية.
فتح فرص العمل للشباب.
المحور الرابع: الإنذار المبكر
إنشاء مراكز لرصد النزاعات قبل انفجارها.
متابعة الشائعات وخطابات التحريض.
التدخل السريع عبر لجان السلم المجتمعي.
المحور الخامس: التربية الوطنية
تعزيز قيم المواطنة في المناهج التعليمية.
نشر ثقافة السلام وقبول الآخر.
دعم الأنشطة الرياضية والثقافية المشتركة بين القبائل.
المحور السادس: إعادة الاعتبار للإدارة الأهلية
تطوير دور الإدارة الأهلية بما يتناسب مع الدولة الحديثة.
تدريب القيادات الأهلية على الوساطة وحل النزاعات.
دعم استقلاليتها عن الصراعات السياسية.
السودان أكبر من القبيلة
القبيلة جزء أصيل من مكونات المجتمع السوداني، لكنها لا ينبغي أن تكون بديلًا للوطن. فحين يعلو صوت القبيلة على صوت الدولة، يخسر الجميع. وحين ينتصر الوطن، تنتصر كل القبائل بلا استثناء.
إن الدم الذي يسيل اليوم في دارفور أو كردفان أو الشرق أو الشمال هو دم سوداني واحد، والطفل الذي يفقد والده في أي نزاع قبلي هو ابن للسودان كله.
ولذلك فإن مسؤولية وقف هذه المآسي ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية العلماء والمفكرين والإعلاميين والإدارة الأهلية والشباب والنساء وكل أبناء الوطن.
فالسودان لم يُبنَ بالحروب، وإنما بعرق المزارعين، وصبر الرعاة، وعلم المعلمين، وتضحيات الوطنيين. وما زال قادرًا على استعادة صورته كأرض للتسامح والتعايش إذا توفرت الإرادة الوطنية الصادقة
مشاركة الخبر علي :