المرة .... نقطة انطلاق (2) محمد التجاني عمر قش
جريمة المليشيا في قرية المرة لن تكسر عزيمة رجالنا ولن تكون الأخيرة، وهي لا تمثل إلا حلقة من مسلسل العنف والقتل والتشريد والسلب والنهب وهتك الأعراض الذي ظلت تمارسه هذه الفئة الباغية منذ أن شنت حربها المدمرة على الشعب السوداني كله وليس على شمال كردفان أو دار الريح لوحدها، ومع فداحة فقدنا في هذه الحادثة المؤلمة، فإننا نتذكر مقولة "كفى بالموت واعظا" ونود التوقف عند هذه الحادثة؛ لكي نستخلص بعض العبر والعظات تحسبا لما قد يستجد من أحداث في هذه المنطقة التي يهددها وجود المليشيا في أكثر من موقع للأسف الشديد!
أولا ما ارتكب من جرائم في قرى غرب بارا حدث ليس مستغربا فقد تكررت جرائم المليشيا من قبل في ود النورة والفاشر وبارا حيث وقعت جرائم ضد الإنسانية وثقتها كاميرات الجنجويد أنفسهم. وفي دار الريح شهد الناس ما فعلته المليشيا في شق النوم وحلة حامد وأم كريدم وغيرها مما حدث في شرق بارا، وفي المزروب حيث قضت المليشيا على قيادة قبيلة المجانين ضربة لازب. أما عن جرائم هذا الفئة المتوحشة في غرب كردفان فحدث ولا حرج فقد حبس الأمير عبد القادر منعم منصور في داره حتى لقي الله شهيداً.
ثانيا، حادثة غرب بارا أثبتت أن هذه المنطقة محروسة برجال من ذوي الشجاعة والنجدة والمروءة والفزعة، وهم جملة لا يهابون الموت بل يواجهون المدافع بصدور مكشوفة مثلما فعل إبراهيم ود دير وهو يتصدى لمدافع الدفتردار في معركة بارا عام 1821م. ولا يزال التاريخ يتحدث عن كتلة أسحف، عندما تصدى نقد الله الركابي لجحافل الأعراب وأخرج النساء والأطفال من تلك المذبحة البشعة. وكأني بالتاريخ يعيد نفسه فقد روى فرسان دار حامد ثرى تلك القيزان بالقرب من أسحف بدمائهم الطاهرة وهم يطاردون العدو بعد أن ولى هاربا بعد ارتكاب جريمته في أم سعدون الشريف والمرة. وقد بلغت شجاعة هؤلاء النفر من الشهداء حد التهور؛ نظرا لانعدام القيادة والخبرة العسكرية في مثل هذه الظروف التي يتصدى فيها المواطنون لمليشيا مدربة تتوفر لها أسلحة وإمدادات عسكرية ولوجستية غير محدودة من جهات داخلية وخارجية لها أجندة لا ترعى حرمة النفس البشرية، ولو كان هنالك تكافؤ في التسليح أو إذا وجد فرسان دار حامد إسنادا سريعا من قيادة الفرقة الخامسة في الأبيض لكانت بارا قد تطهرت من دنس المليشيا واستأصلت شأفتهم من هذه المنقطة بأكمامها.
ثالثا، يستفاد من هذه الجريمة المنكرة أن ثمة غفلة واسترخاء أمني ما كان ينبغي أن يسود في منطقة تحيط بها عناصر المليشيا وأعوانها إحاطة السوار بالمعصم، علما بأن هنالك عملاء من بقايا بعض الأحزاب الطائفية يتماهون مع التمرد ويمدونه بالمعلومات عن أي تحرك تقوم به مكونات المنطقة للدفاع عن نفسها وهذا ما يضاعف عدد الضحايا والشهداء؛ لأنهم يندفعون وظهرهم مكشوف للعدو في وقت يتخذ فيه الأوباش السواتر تحت الأشجار ويختبؤون خلاف الكثبان الرملية مما مكنهم من النيل من مقدمة الفزع.
عسكريا، هنالك تباطؤ غير مبرر في العمليات العسكرية التي كادت تتوقف تماماً إذ لا تزال المتحركات رابضة في رهيد النوبة والأبيض وشرق أم سيالا بينما يظل درب الأربعين مفتوحا للمليشيا التي تحصل على الإمداد والمرتزقة من ليبيا عبر الصحراء وهذا ما يقوي شوكتها ويشجع عناصرها على التعدي علي مواطن دار الريح بكل وحشية وبشاعة. ومن المؤسف أيضا أن لجنة أمن ولاية شمال كردفان قد أصابها الصمم أو العمى التام فقد أبلغت أكثر من مرة عن تعديات المليشيا وتحركاتهم في الطريق البري الذي يربط الأبيض بدار الريح ولكنها لم تكلف نفسها باتخاذ أي موقف يحفظ أمن المواطنين وممتلكاتهم، ومما زاد الوضع سوءا ومرارة أن حكومة ولاية شمال كردفان قد أوقفت الميرة والدواء بلا مبرر عن معظم مناطق دار الريح فصار المواطن المغلوب على أمره يئن تحت وطأة الوضع الأمني المتردي ونقص الغذاء والدواء!
مشاركة الخبر علي :