بقلم د. سعاد فقيري إصلاح الخدمة المدنية.. بين تقليص العمالة وتصحيح مسار التوظيف
تشهد الساحة السودانية نقاش واسعًا حول أوضاع الخدمة المدنية، خاصة في ظل الحديث عن تقليص أعداد العاملين بالدولة ومعالجة الترهل الإداري الذي تراكم عبر سنوات طويلة. غير أن السؤال الأهم ليس: كم موظفًا يجب أن يغادر الخدمة؟ بل كيف نعيد بناء خدمة مدنية عادلة وكفؤة تقوم على الجدارة وتكافؤ الفرص؟
إن معالجة الاختلالات الإدارية لا تتحقق بمجرد تقليص أعداد العاملين، لأن ذلك قد يخلق مشكلات اجتماعية واقتصادية جديدة، بينما يبقى أصل الخلل قائمًا. فالمشكلة الحقيقية تكمن في بعض التعيينات التي تمت خارج المنافسة العامة والإجراءات القانونية المعروفة، مما أضعف مبدأ العدالة الوظيفية وأثر على كفاءة المؤسسات.
كما أن استمرار تكليف أمناء ومديرين من خارج الوحدات والمؤسسات التي يديرونها يثير تساؤلات حول الاستقرار الإداري وفرص الترقي الوظيفي للعاملين داخل تلك المؤسسات، ويؤثر أحيانًا على تراكم الخبرات المؤسسية والاستفادة منها.
نحو خطة إصلاح حقيقية
أولًا: إجراء مراجعة شاملة للتعيينات التي تمت خلال السنوات الماضية، مع التأكد من سلامة الإجراءات القانونية التي صاحبتها.
ثانيًا: حصر الوظائف التي تم شغلها دون إعلان أو منافسة عامة أو معاينات معلنة، ودراسة أوضاعها وفق القانون.
ثالثًا: إعادة الاعتبار لديوان شؤون الخدمة المدنية ليكون الجهة الوحيدة المنظمة للتوظيف وفق معايير الكفاءة والشفافية.
رابعًا: إعطاء الأولوية للعاملين المؤهلين داخل المؤسسات عند شغل المناصب القيادية، قبل اللجوء للتكليف من خارج الوحدات.
خامسًا: إنشاء قاعدة بيانات قومية موحدة للعاملين بالدولة تتضمن المؤهلات والخبرات والمسار الوظيفي لكل موظف.
سادسًا: تفعيل مبدأ التقييم الدوري للأداء وربط الترقيات والحوافز بالإنتاجية والكفاءة.
سابعًا: فتح باب التنافس الحر على الوظائف العامة عبر إعلانات معلنة وشفافة تتيح الفرصة المتساوية لجميع الخريجين والمواطنين.
ثامنًا: معالجة حالات التوظيف المخالفة للقانون عبر لجان فنية وقانونية مستقلة تراعي العدالة وحقوق العاملين وعدم الإضرار بالأسر التي اعتمدت على هذه الوظائف كمصدر للعيش.
توصيات عملية:
وقف أي تعيينات استثنائية خارج القنوات الرسمية.
مراجعة جميع التكليفات القيادية الحالية وفق معايير الكفاءة والخبرة.
اعتماد نظام إلكتروني قومي للتوظيف يمنع التدخلات الشخصية.
نشر تقارير دورية للرأي العام حول فرص التوظيف والإحلال والترقيات.
تعزيز دور الأجهزة الرقابية لضمان النزاهة والشفافية.
إن الدولة الحديثة لا تُبنى بكثرة الموظفين ولا بقلة عددهم، وإنما تُبنى بمؤسسات قوية، وإدارة رشيدة، وفرص متكافئة بين المواطنين. لذلك فإن الإصلاح الحقيقي للخدمة المدنية يبدأ من تصحيح مسار التوظيف، وترسيخ مبدأ الجدارة، وتحويل الوظيفة العامة إلى حق يتنافس عليه الجميع وفق القانون والكفاءة، لا وفق الاستثناءات والولاءات.
فإذا أردنا خدمة مدنية قوية تقود مرحلة إعادة بناء السودان، فإن الطريق يبدأ من العدالة والشفافية، وينتهي بمؤسسات وطنية قادرة على خدمة المواطن بكفاءة واستقلالية.
مشاركة الخبر علي :