المرة... نقطة انطلاق (6) محمد التجاني عمر قش
أولاً، نود التأكيد أن ثقتنا في قيادة قواتنا المسلحة لا تهزها الأحداث الأليمة التي شهدتها قرى غرب بارا مؤخراً. غير أننا نطرح جملة من التساؤلات والهواجس التي نأمل مناقشتها حتى تطمئن القلوب، خاصة في ظل ما يتردد عن مخططات تستهدف فصل دارفور عن السودان، تقف وراءها جهات تدير وتحرك عناصر المليشيا. ويخشى أهل كردفان أن يكونوا ضمن المناطق المستهدفة بهذه المخططات، بالنظر إلى ما تتمتع به تلك الجهات من خبرة طويلة في توظيف الصراعات وإدارتها لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية معروفة. إن الحديث عن تقسيم السودان إلى دويلات ليس أمراً طارئاً، بل يُنظر إليه بوصفه مشروعاً طويل المدى تسعى بعض القوى إلى تحقيقه متى ما تهيأت الظروف المناسبة. ويرى كثيرون أن الحرب الحالية وما صاحبها من اضطراب أمني وانفلات في بعض المناطق قد وفرت بيئة مواتية لمثل هذه المشاريع، خاصة مع ما تشهده بعض مناطق دارفور من تحولات سكانية عميقة فرضتها ظروف الحرب والنزوح.
وفي هذا السياق، يبدو أن شمال كردفان قد باتت هدفاً مهماً ضمن محاولات توسيع نطاق السيطرة والنفوذ، وهو ما يفسر، في نظر كثير من المواطنين، تكرار الاعتداءات على القرى الآمنة واستهداف المدنيين العزل تحت ذرائع لا تستند إلى حقائق ثابتة، وإنما تقوم على اتهامات عامة تُستخدم لتبرير أعمال العنف والانتهاكات.
إن رسالة أهلنا في دار الريح عموماً، وفي غرب بارا على وجه الخصوص، إلى قيادة الدولة والقوات المسلحة، هي أنهم جزء أصيل من السودان، وظلوا سنداً للدولة ومؤسساتها منذ اندلاع الحرب، بل وقبل ذلك بكثير. ولهذا السبب نراهم يشعرون بالمرارة حين يجدون أنفسهم عرضة للقتل والتشريد والنهب وانتهاك الحرمات دون أن تتوافر لهم الحماية الكافية.
إن مواطني هذه المناطق، رغم محدودية إمكاناتهم، يرفضون الخضوع للعنف أو الاستسلام للخوف. ومن هنا تبرز أسئلة مشروعة يطرحها المواطن البسيط: لماذا لا تتوافر المساندة المطلوبة للمناطق التي تواجه هذه الاعتداءات بصورة متكررة؟ وهل تصل أصوات المتضررين إلى الجهات المعنية في الدولة والجيش؟ وهل تُبذل الجهود الكافية لتأمين المواطنين وحماية مناطقهم من الهجمات المتواصلة؟
كما يتساءل كثير من الأهالي عن الخطط الموضوعة لاستعادة الأمن والاستقرار في شمال كردفان، أسوة بما تشهده بعض الجبهات الأخرى من عمليات عسكرية وتنظيمية تهدف إلى بسط الأمن وحماية المواطنين. فالمواطن، أينما كان، يتطلع إلى الشعور بأن الدولة تقف إلى جانبه، وأن أمنه يمثل أولوية لا تقل أهمية عن أمن أي منطقة أخرى في البلاد.
أما حكومة ولاية شمال كردفان، فإن كثيراً من المواطنين يرون أنها لم تنجح في إيلاء قضاياهم الاهتمام المطلوب، وأن همومهم اليومية، وفي مقدمتها الأمن وتوفير الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، لا تحظى بما تستحقه من متابعة وعناية. ولذلك اتجهت الأنظار مباشرة إلى قيادة الدولة والقوات المسلحة أملاً في إيجاد استجابة عملية وسريعة لهذه التحديات.
إن ما جرى في غرب بارا من أحداث دامية يستوجب وقفة جادة ومسؤولة من جميع الجهات المعنية، ليس فقط لمعالجة آثاره المباشرة، وإنما أيضاً لتعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وترسيخ شعورهم بأنهم يتمتعون بكامل حقوق المواطنة كما يتحملون كامل واجباتها.
فالسودان لن يحافظ على وحدته واستقراره إلا إذا شعر جميع أبنائه، في كل الأقاليم والمناطق، بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن أمنهم وكرامتهم وحياتهم تحظى بالحماية والرعاية نفسها. وأهل دار الريح لا يطلبون أكثر من ذلك؛ فهم يريدون أن يعيشوا آمنين في أرضهم، وأن يظل السودان وطناً واحداً يتسع لجميع أبنائه.
مشاركة الخبر علي :