بقلم د.سعاد فقيري عبد الوهاب الصادق.. رحل الجسد وبقي الصوت
حين يرحل المبدعون لا تغيب أصواتهم، بل تبقى حاضرة في الوجدان، تسكن الذاكرة وترافق الأجيال جيلاً بعد جيل. ومن هؤلاء الذين تركوا بصمة خالدة في مسيرة الفن السوداني الفنان الإنسان عبد الوهاب الصادق، الذي رحل عن دنيانا بعد رحلة طويلة من العطاء والإبداع، تاركاً خلفه إرثاً فنياً سيظل شاهداً على موهبته وتفرده.
وُلد عبد الوهاب الصادق بمدينة أبوقوتة بولاية الجزيرة عام 1946م، ونشأ في بيئة سودانية أصيلة شكلت وجدانه الفني مبكراً. وكانت بداياته الفنية في أوائل ستينيات القرن الماضي بحي بانت،
حيث بدأ يشق طريقه بثبات نحو النجومية، معتمداً على موهبة فطرية وصوت مميز استطاع أن يجد مكانه سريعاً في قلوب المستمعين.
لم يكن عبد الوهاب الصادق مجرد مطرب يؤدي الأغنيات، بل كان مجدداً ومطوراً في بنية الأغنية الشعبية السودانية. ففي وقت كانت الأغنية تعتمد على عدد محدود من الآلات الإيقاعية، أدخل آلات جديدة مثل المندولين والبيز جيتار، مما منح الأغنية الشعبية أبعاداً موسيقية أكثر ثراءً وجمالاً، وأسهم في نقلها إلى آفاق جديدة من التطور الفني.
كانت أولى أغنياته الشهيرة "هلّ لي هلالو" للشاعر محمود أبو العلا، وهي الأغنية التي فتحت له أبواب الشهرة والانتشار. ثم توالت الأعمال الناجحة التي أصبحت علامات مضيئة في تاريخ الأغنية السودانية، ومنها: "ست الريد بقت قساية"، "حبايبي الحلوين"، "ظهر بان الليلة"، "بعد ما فات الأوان"، "بعد ده كلو كمان بتبكي"، "ما أحلى التصافي من بعد التجافي"، "آن حمامي"، وملحمته الوطنية الخالدة "بالطول بالعرض سودانا يهز الأرض".
كما تألق عبر الإذاعة السودانية في برنامج "ما يطلبه المستمعون"، ولفت الأنظار في برنامج "صالة العرض"، حتى أصبح واحداً من أبرز الأصوات التي ارتبطت بوجدان المستمع السوداني في حقبة زاخرة بالإبداع.
وعلى امتداد مسيرته الفنية تعاون مع نخبة من كبار الشعراء، منهم محمود أبو العلا، إسماعيل خورشيد، التجاني حاج موسى، مكاوي الشيخ الأمين، محمود فلاح، عوض جبريل، يوسف محمد يوسف وغيرهم،
فكانت تلك الشراكات الفنية سبباً في ولادة أعمال خالدة ما زالت تتردد في المجالس والإذاعات حتى اليوم.
وفي جانب آخر من حياته، التحق الراحل بقوات الشرطة وعمل بسلاح الموسيقى حتى عام 2007م، جامعاً بين الانضباط العسكري والإبداع الفني، ومقدماً نموذجاً للفنان الملتزم الذي يخدم وطنه في أكثر من ميدان.
غير أن الظروف الصحية لم تمهله للاستمرار في العطاء الفني كما كان يتمنى جمهوره، إذ عانى من التهاب حاد وتهتك في الأحبال الصوتية إلى جانب مرض السكري، الأمر الذي اضطره إلى الابتعاد عن الساحة الفنية، لكن ابتعاده لم يبعده عن قلوب محبيه الذين ظلوا يرددون أغنياته ويستحضرون ذكراه.
اليوم، ونحن نودع عبد الوهاب الصادق، لا نرثي فناناً فحسب، بل نرثي مرحلة جميلة من تاريخ الفن السوداني. نودع صوتاً حمل الفرح والحب والشجن والوطنية إلى ملايين السودانيين. نودع إنساناً عاش بسيطاً ورحل بصمت، لكنه ترك وراءه كنوزاً من الإبداع لا تفنى.
رحل عبد الوهاب الصادق، لكن صوته ما زال يصدح في الأثير، وما زالت أغنياته تنبض بالحياة في ذاكرة الوطن.
فالفن الحقيقي لا يموت برحيل أصحابه، بل يظل حياً ما بقيت القلوب تحفظ الجمال.
رحم الله الفنان الإنسان عبد الوهاب الصادق، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
رحم الله الفنان عبد الوهاب الصادق، فقد كان أحد الأصوات التي ساهمت في تطوير الأغنية السودانية وترك إرثاً سيظل حاضراً في الذاكرة الفنية السودانية.
مشاركة الخبر علي :