بقلم د.سعاد فقيري الطبيب الذي سبق زمانه
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ودّعت البلاد واحداً من أبنائها البررة، الطبيب السوداني الأصيل سيد ميرغني السيد، اختصاصي طب وجراحة الأطفال، الذي رحل عن عمر ناهز التاسعة والثمانين عاماً بعد مسيرة طويلة من العطاء والعلم والخدمة الإنسانية.
لم يكن الفقيد مجرد طبيب يمارس مهنة، بل كان مدرسة متكاملة في الأخلاق والتفاني والإخلاص.
فقد ارتبط اسمه بتاريخ الطب السوداني الحديث، وكان من أوائل السودانيين الذين اقتحموا ميدان دراسة الطب منذ بدايات تكوين الكوادر الوطنية، في زمن كانت فيه الفرص محدودة والتحديات كبيرة، فشق طريقه بعزيمة الرجال وإصرار الرواد.
كرّس حياته لرعاية الأطفال وعلاجهم، مؤمناً بأن بناء الأمم يبدأ من حماية أجيالها الصغيرة.
وعلى مدى عقود طويلة ظل يحمل سماعته الطبية وقلبه الإنساني معاً، يخفف آلام المرضى ويمنح الأمل للأسر، ويزرع الثقة في نفوس الآباء والأمهات.
كما أسهم في إعداد أجيال متعاقبة من الأطباء، فكان معلماً وموجهاً قبل أن يكون استشارياً وخبيراً. تعلم على يديه كثيرون من أبناء السودان الذين حملوا رسالته إلى المستشفيات والجامعات داخل الوطن وخارجه، فبقي أثره ممتداً في العلم كما امتد في العمل الإنساني.
إن أمثال الدكتور سيد ميرغني السيد لا يرحلون تماماً، لأن سيرتهم تبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي دعوات المرضى الذين عالجهم، وفي نجاحات الطلاب الذين تتلمذوا على يديه، وفي كل طفل استعاد عافيته بفضل علمه وخبرته.
واليوم، ونحن نودع هذه القامة الوطنية، فإننا لا نرثي شخصاً فحسب، بل نحتفي بتاريخ من البذل والعطاء والإخلاص للسودان وأهله.
لقد كان نموذجاً للطبيب الوطني الذي جعل العلم رسالة، والإنسانية منهجاً، والوطن غاية.
رحم الله الدكتور سيد ميرغني السيد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن السودان وأهله خير الجزاء، وألهم أسرته وتلاميذه ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
مشاركة الخبر علي :