بقلم د. سعاد فقيري الوطن فوق الجميع
أثار قرار حكومة ولاية الخرطوم بإنهاء الإجازة المفتوحة للعاملين والموظفين الكثير من النقاش والتباين في وجهات النظر، وهو أمر طبيعي في ظل الظروف الاستثنائية التي مر بها السودان خلال السنوات الماضية.
غير أن قراءة هذا القرار يجب أن تنطلق من زاوية أوسع تتجاوز المصلحة الفردية إلى المصلحة العامة، فالدولة التي تسعى إلى استعادة عافيتها وإعادة تشغيل مؤسساتها لا يمكن أن تحقق ذلك إلا بعودة كوادرها البشرية إلى مواقع العمل، لأن المباني وحدها لا تصنع مؤسسة، وإنما يصنعها الإنسان الذي يديرها ويقدم خدماتها للمواطنين.
لقد فرضت الحرب أوضاعاً قاهرة على آلاف العاملين، وأجبرت كثيرين على النزوح واللجوء والبحث عن سبل العيش في ظروف بالغة التعقيد. وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها أو التقليل من آثارها الإنسانية والاجتماعية. لكن في المقابل، فإن مرحلة التعافي وإعادة البناء تتطلب تضحيات جديدة من الجميع، لأن الوطن لا يُعاد بناؤه بالقرارات وحدها، وإنما بسواعد أبنائه وإرادتهم.
إن عودة العاملين إلى مواقعهم ليست مجرد التزام وظيفي، بل هي مشاركة مباشرة في إعادة الحياة إلى المؤسسات الحكومية التي ينتظر المواطن خدماتها في التعليم والصحة والمياه والكهرباء والإدارة المدنية وغيرها من المرافق الأساسية.
ومن المهم أن يصاحب تنفيذ القرار قدر كبير من المرونة والعدالة، وأن تراعي الجهات المختصة أوضاع العاملين الذين ما زالت تواجههم ظروف استثنائية تتعلق بالسكن أو الأمن أو الالتزامات الأسرية. فنجاح القرار لا يتحقق بالعقوبات والإجراءات الإدارية فقط، وإنما يتحقق بإيجاد بيئة عمل جاذبة وتوفير الحد الأدنى من مقومات الاستقرار للعاملين.
إن المرحلة الراهنة تتطلب تغييراً في طريقة التفكير، بحيث ينتقل الجميع من سؤال: "ماذا سيقدم لي الوطن؟" إلى سؤال: "ماذا سأقدم أنا للوطن؟". فالأوطان تمرض لكنها لا تموت، وتتعثر لكنها تنهض عندما يضع أبناؤها المصلحة العامة فوق المصالح الخاصة.
لقد قدم الشعب السوداني تضحيات جسيمة خلال الحرب، وحان الوقت لترجمة تلك التضحيات إلى عمل وإنتاج وإعمار.
فعودة الموظف إلى مكتبه، والمعلم إلى مدرسته، والطبيب إلى مستشفاه، والمهندس إلى موقعه، هي في حقيقتها خطوات صغيرة تصنع مشروعاً وطنياً كبيراً عنوانه إعادة بناء السودان.
إن الوطن اليوم يحتاج إلى الجميع، ويحتاج إلى روح المسؤولية أكثر من حاجته إلى الجدل.
فحين تتقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، تتعافى المؤسسات، وتستقر المجتمعات، وتبدأ رحلة البناء الحقيقي.
ويبقى المبدأ الذي يجب أن يجمعنا جميعاً: أن الوطن فوق كل اعتبار، وأن خدمته في أوقات الشدة واجب وطني وأخلاقي قبل أن تكون مسؤولية وظيفية.
مشاركة الخبر علي :