الأبيض تنزف ولا تجد ما تغسل به جرحها! محمد التجاني عمر قش
تتعرض مدينة الأبيض، أبو قبة فحل الديوم وعاصمة ولاية شمال كردفان، هذه الأيام لهجمات متكررة بالطيران المسيّر الذي تطلقه مليشيا آل دقلو، المدعومة من دويلة الشر وبني صهيون. لذلك ظل جرح المدينة ينزف، ولا تجد من الماء ما تغسل به جراحها. وقد اجتمع عليها عجز حكومة الولاية عن اتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان أمن المواطنين وسلامتهم وتوفير مياه الشرب لهم، مع وطأة الحرب وما خلّفته من خوفٍ وفقدٍ وتشريد.
وتنزف أسواق الأبيض من غلاء الأسعار، وتنزف بيوتها من فقد الأحبة، بينما يظل أهلها متشبثين بالأمل، مؤمنين بأن الليل مهما طال فلا بد أن يعقبه فجر جديد.
هذه المدينة التي أنجبت الأزهري، وميرغني حسين زاكي الدين، والفاتح بشارة، وسوار الدهب، وأحمد هارون، وغيرهم من الرموز والشخصيات المؤثرة، بلغت من المعاناة مبلغًا جعل أطفالها يواجهون شدة العطش، وهو أمر يدعو إلى الأسى والحزن العميق.
واليوم تحيط بالأبيض عناصر المليشيا والمرتزقة إحاطة السوار بالمعصم، كما وصفها بعض المشفقين عليها. وفي كردفان قوات وجيوش لا يُستهان بها عددًا وعدةً، بينما يلوك أهل الديار مرارة المعاناة، وهم على استعداد تام للمشاركة في تطهير ولايتهم من التمرد، غير أنهم لا يجدون العون الذي ينتظرونه.
وتتمتع الأبيض برمزية تاريخية وموقع جيواستراتيجي بالغ الأهمية؛ فهي صرة السودان وقلبه النابض. وإذا سقطت ـ لا قدر الله ـ في قبضة المليشيا، فسيكون لذلك تداعيات خطيرة على الأمن القومي السوداني. ولذلك يخشى كثير من المراقبين أن تلقى مصير مدن أخرى عانت ويلات الحصار والاستهداف.
والمثل الكردفاني يقول: "الجري قبل الشوف قدلة"، ولذلك نهيب أولًا بأهل شمال كردفان أن يتوحدوا ويحزموا أمرهم، وأن يهبوا لحماية مدينتهم وتجنيبها خطر السقوط في قبضة المليشيا. كما نناشد القوات المسلحة والقوات المساندة لها الإسراع في التحرك العسكري قبل حلول فصل الخريف، والعمل على طرد المليشيا والمرتزقة من شمال كردفان، بما يمهد الطريق لتحقيق الهدف الذي يتطلع إليه كل السودانيين: وطن آمن ومستقر وخالٍ من التمرد.
إن ما تعانيه الأبيض من عطش وخوف وإهمال هو نتيجة لتراكمات متعددة، في مقدمتها ضعف الأداء التنفيذي، وتفرق كلمة أبناء الولاية، وتأخر الحسم العسكري في بعض مناطق شمال كردفان. وقد أورث ذلك شعورًا بالغبن لدى كثير من أهل المنطقة.
ولعل أصحاب القرار يتذكرون قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"، وقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لو أن بغلة عثرت بالعراق لكنت مسؤولًا عنها، لِمَ لمْ أُسوِّ لها الطريق؟".
نحن في هذه الولاية المنكوبة، لا نطلب أكثر من حقين أساسيين: الأمن والماء في هذا الزمن المملوخ.
مشاركة الخبر علي :