بقلم .د.سعاد فقيري النعي بين الأمس واليوم.. من صوت "الكبدان" إلى إشعارات الهواتف
في المجتمعات السودانية القديمة، لم يكن خبر الوفاة ينتشر عبر الهواتف أو وسائل التواصل الاجتماعي، بل كان له رجال معروفون يؤدون هذه المهمة الإنسانية والاجتماعية بكل وقار واحترام.
وفي بلاد النوبة كان يُطلق على من يحمل خبر الوفاة وينقله للناس اسم "كبدان"، وهي كلمة نوبية (رطانة) تعني شيال خبر الموت.
كان العم عبدو من منطقة القولد – قاسمار واحدًا من هؤلاء الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بخدمة المجتمع.
لم يكن يكتفي بإعلان الوفاة، بل كان يشارك كذلك في صناعة طوب المقابر وتجهيزها، ويتقاضى مقابل ذلك قيراطين من العيش من كل ساقية، في صورة تعكس روح التكافل والقناعة التي كانت تسود المجتمع آنذاك.
كان صوته الجهور يصل إلى مسافات بعيدة وهو يردد عبارته المأثورة:
"الحي الدائم الله... فلان ود فلان راح في حق الله."
فبمجرد أن يسمع الناس تلك الكلمات يدركون أن مصابًا قد حل بإحدى الأسر، فيتوافدون للمواساة والمشاركة في تشييع الفقيد، دون دعوات أو رسائل أو ترتيبات مسبقة.
في ذلك الزمن، كان النعي رسالة اجتماعية قبل أن يكون مجرد نقل للخبر.
كان وسيلة لتأكيد الترابط بين الناس، وتذكيرهم بحقيقة الموت، وتعزيز قيم التعاضد والتراحم.
أما اليوم فقد تغيرت الوسائل وتبدلت الأدوات. فأصبح خبر الوفاة ينتشر خلال ثوانٍ عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل مجموعات الواتساب والفيسبوك ومنصات الإعلام الإلكتروني.
وأصبحت هناك بطاقات نعي مصممة إلكترونيًا، ورسائل موحدة، وبث مباشر لمراسم التشييع والعزاء في بعض الأحيان.
ورغم ما حققته هذه الوسائل الحديثة من سرعة في إيصال الخبر إلى الأقارب والأصدقاء في مختلف أنحاء العالم، إلا أنها أفقدت النعي شيئًا من دفئه الإنساني وخصوصيته الاجتماعية. فقد تحول أحيانًا إلى مجرد منشور يُقرأ بسرعة بين عشرات الرسائل والأخبار الأخرى.
بين الأمس واليوم تبقى الحقيقة واحدة؛ فالموت هو الحقيقة الكبرى التي لا ينجو منها أحد. لكن الفرق يكمن في الكيفية التي نتعامل بها مع هذا الحدث الجلل. ففي الماضي كان صوت "الكبدان" يحمل الحزن والصدق والإنسانية في آن واحد، بينما تحمله اليوم الشاشات والهواتف بأشكال وأساليب مختلفة.
رحم الله رجالًا مثل العم عبدو، الذين أدوا رسالتهم بإخلاص، وتركوا في ذاكرة الناس صورة جميلة لمعاني التكافل الاجتماعي والقناعة والبركة. وسيظل صوتهم حاضرًا في الوجدان، يذكرنا بزمن كانت فيه العلاقات الإنسانية أكثر قربًا، وكانت المشاركة في الأفراح والأتراح جزءًا أصيلًا من حياة المجتمع.
مشاركة الخبر علي :