بقلم د.سعاد فقيري *العودة الطوعية للسودانيين بين حق العودة وواجب حماية الدولة*
مع التحسن النسبي في الأوضاع الأمنية في عدد من الولايات السودانية .
بدأت تتزايد الدعوات والبرامج الخاصة بالعودة الطوعية للسودانيين من دول الجوار.
وتُعد هذه العودة خطوة مهمة في مسيرة التعافي الوطني واستعادة الحياة الطبيعية بعد الحرب .
لكنها في الوقت ذاته تفرض على الدولة تحديات كبيرة تتطلب رؤية استراتيجية متكاملة توازن بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الأمن القومي.
فالعودة الطوعية ليست مجرد عملية نقل مواطنين من دولة إلى أخرى، وإنما مشروع وطني متكامل لإعادة بناء المجتمع واستعادة دورة الإنتاج والخدمات والتعليم والصحة، وإعادة الحياة إلى المدن والقرى التي تأثرت بالحرب.
كما أنها تمثل رسالة إيجابية بأن السودان بدأ يستعيد عافيته وقدرته على احتضان أبنائه.
غير أن نجاح هذه العودة يتطلب الابتعاد عن العاطفة وحدها، والانتقال إلى التخطيط المؤسسي الرشيد.
فالدول التي خرجت من النزاعات دفعت أثماناً باهظة عندما أهملت إدارة حدودها أو سمحت بحركة غير منظمة للأفراد والبضائع، الأمر الذي أدى إلى انتشار الجريمة المنظمة والتهريب وتسلل العناصر الإجرامية.
ومن هنا تبرز أهمية أن تتزامن العودة الطوعية مع خطة قومية صارمة لضبط المعابر الحدودية البرية والنهرية والجوية.
فالسودان يمتلك حدوداً واسعة مع عدد كبير من الدول، ما يجعل حماية هذه الحدود مسؤولية وطنية تتطلب تنسيقاً أمنياً وإدارياً وتقنياً متكاملاً.
إن إعادة تأهيل المعابر الرسمية وتزويدها بأنظمة إلكترونية حديثة وقواعد بيانات موحدة، إلى جانب تعزيز قدرات الجمارك والهجرة والأجهزة المختصة، يجب أن يكون جزءاً أساسياً من مرحلة ما بعد الحرب.
كما أن إغلاق المعابر غير الشرعية ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر والسلاح يمثل ضرورة لا تحتمل التأجيل.
وفي الوقت نفسه، ينبغي إنشاء قاعدة بيانات دقيقة للعائدين، تمكن الدولة من تقديم الخدمات لهم وتوجيههم نحو برامج إعادة الإعمار والتنمية، وتساعد في التخطيط السليم للاحتياجات السكانية والخدمية في مختلف الولايات.
إن السودان الذي نحلم به ليس دولة مفتوحة بلا ضوابط، كما أنه ليس دولة مغلقة تنعزل عن محيطها الإقليمي والدولي.
وإنما دولة قوية ذات سيادة، تدير حدودها بكفاءة، وتحمي أمنها القومي، وتفتح أبوابها أمام مواطنيها واستثماراتها وحركتها التجارية وفق القانون والنظام.
فالحدود المنظمة ليست عائقاً أمام التنمية، بل هي إحدى أدواتها الأساسية.
والعودة الطوعية ليست مجرد عودة للأفراد، بل هي عودة للدولة نفسها إلى ممارسة دورها الطبيعي في حماية الوطن وخدمة المواطنين.
لذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: كيف نعيد السودانيين إلى السودان؟ وإنما: كيف نبني سوداناً آمناً ومنظماً ومستقراً يجعل العودة خياراً دائماً لا مرحلة مؤقتة، ويجعل من الوطن بيئة جاذبة لأبنائه بدلاً من أن يكون محطة عبور نحو المجهول.
إن إعادة الإعمار تبدأ من الإنسان، لكن نجاحها يبدأ من الدولة القادرة على فرض القانون، وحماية الحدود، وتحقيق الأمن، وصناعة الأمل في المستقبل.
مشاركة الخبر علي :