بقلم د. سعاد فقيري *التوطين الإيجابي وخدمة تنمية المجتمع السوداني بعد الحرب* رؤية استراتيجية لتحويل الهجرة من عبء إلى رافعة للتنمية
بعد سنوات الحرب وما خلفته من نزوح ولجوء وتشريد للسودانيين داخل الوطن وخارجه، برزت قضية "التوطين" كواحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش.
وبين من يراه فرصة لتحسين حياة الأفراد والأسر، ومن يراه استنزافاً للكفاءات والطاقات الوطنية، تبقى الحقيقة أن التوطين في حد ذاته ليس مشكلة، وإنما تكمن المشكلة في كيفية إدارته وتوظيف نتائجه لخدمة الوطن.
لقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن المهاجرين والمجنسين في الخارج يمكن أن يصبحوا قوة اقتصادية وعلمية وسياسية داعمة لبلدانهم الأصلية إذا توفرت الرؤية والآليات المناسبة.
أولاً: مفهوم التوطين الإيجابي
التوطين الإيجابي هو تحويل وجود السودانيين في الخارج إلى مصدر قوة وطنية من خلال:
نقل المعرفة والخبرات.
جذب الاستثمارات.
دعم التعليم والبحث العلمي.
تعزيز العلاقات الدولية.
المساهمة في إعادة الإعمار والتنمية.
وبذلك يصبح السوداني في المهجر سفيراً للتنمية وليس مجرد مهاجر يبحث عن مستقبل شخصي.
ثانياً: التحديات الحالية
من أبرز التحديات:
1. هجرة العقول والكفاءات
فقد السودان آلاف الأطباء والمهندسين والأساتذة الجامعيين والخبراء.
2. ضعف التواصل المؤسسي
غياب قاعدة بيانات وطنية للكفاءات السودانية بالخارج.
3. غياب الحوافز
عدم وجود برامج تشجع الكفاءات على المساهمة في تنمية الوطن.
4. تشتت الجاليات
غياب الأطر الموحدة التي تنظم جهود السودانيين في الخارج.
ثالثاً: الخطة المتكاملة للتوطين الإيجابي
المحور الأول: إنشاء المجلس الوطني للكفاءات السودانية بالخارج
يكون جهة مستقلة تعمل على:
حصر الخبرات السودانية عالمياً.
بناء قاعدة بيانات إلكترونية متطورة.
ربط الخبراء بالمشروعات الوطنية.
إعداد تقارير دورية عن إمكانات السودانيين بالخارج.
المحور الثاني: بنك المعرفة السوداني العالمي
منصة رقمية تضم:
العلماء.
الأطباء.
المهندسين.
الباحثين.
رجال الأعمال.
بحيث يمكن لأي مؤسسة سودانية الاستفادة من هذه الخبرات عن بُعد أو بالحضور المباشر.
المحور الثالث: برنامج العودة المرنة
ليس المطلوب عودة الجميع بصورة دائمة، وإنما:
زيارات علمية قصيرة.
عقود استشارية مؤقتة.
تدريس موسمي بالجامعات.
المشاركة في التدريب المهني.
وبذلك تستفيد الدولة من الخبرات دون إلزام أصحابها بالاستقرار الكامل.
المحور الرابع: صندوق إعمار السودان للمغتربين
يهدف إلى:
تمويل مشروعات البنية التحتية.
دعم المدارس والمستشفيات.
إنشاء مشروعات إنتاجية.
ويمنح المستثمرين السودانيين بالخارج مزايا وضمانات استثمارية حقيقية.
المحور الخامس: الاستثمار في التحويلات المالية
تشير التجارب الدولية إلى أن تحويلات المغتربين تعد من أكبر مصادر النقد الأجنبي.
ولذلك ينبغي:
تسهيل التحويلات المصرفية.
تقديم حوافز للمحولين عبر القنوات الرسمية.
إنشاء أوعية ادخارية واستثمارية جاذبة.
المحور السادس: نقل التكنولوجيا
من خلال:
شراكات مع الجامعات العالمية.
برامج تدريب عن بُعد.
استقطاب الخبرات السودانية المتخصصة في التقنيات الحديثة.
إنشاء مراكز ابتكار وطنية.
المحور السابع: الدبلوماسية الشعبية
السودانيون بالخارج يمثلون قوة ناعمة هائلة يمكن أن تسهم في:
تحسين صورة السودان.
جذب المستثمرين.
دعم السياحة.
بناء الشراكات الدولية.
رابعاً: دور الجاليات السودانية
ينبغي تحويل الجاليات من كيانات اجتماعية فقط إلى مؤسسات تنموية عبر:
إنشاء صناديق تنموية للجاليات.
دعم التعليم في المناطق المتأثرة بالحرب.
تبني مشروعات صحية وخدمية.
رعاية الطلاب والباحثين.
خامساً: الضوابط الوطنية للتوطين
حتى لا يتحول التوطين إلى استنزاف دائم للموارد البشرية، يجب:
تحسين بيئة العمل داخل السودان.
رفع كفاءة الخدمات الأساسية.
تحقيق الاستقرار الأمني.
توفير فرص الاستثمار والإنتاج.
تعزيز سيادة القانون والشفافية.
فالإنسان لا يهاجر حباً في الغربة، وإنما بحثاً عن الأمن والفرص.
سادساً: ربط التوطين ببرنامج العودة الطوعية
ينبغي أن تسير سياسة التوطين بالتوازي مع برنامج وطني للعودة الطوعية للسودانيين من دول الجوار، وفق خطة مدروسة تشمل:
إعادة تأهيل المناطق المحررة.
توفير الخدمات الأساسية.
دعم المشروعات الصغيرة للعائدين.
تسهيل استخراج الوثائق الرسمية.
توفير السكن المؤقت وفرص العمل.
الخاتمة :
إن السودان بعد الحرب يحتاج إلى كل أبنائه، سواء داخل الوطن أو خارجه.
فالمعادلة الناجحة ليست في منع التوطين أو محاربته، وإنما في تحويله إلى جسر للتنمية وإعادة الإعمار. فالوطن القوي لا يقاس بعدد من غادروه، بل بقدرته على الاستفادة من أبنائه أينما كانوا.
وإذا نجح السودان في بناء شراكة حقيقية مع كفاءاته ومغتربيه في أنحاء العالم، فإن التوطين سيتحول من قضية جدلية إلى مشروع وطني كبير يسهم في إعادة بناء الدولة وتحقيق التنمية المستدامة، ليصبح كل سوداني في الخارج إضافة للوطن لا خصماً عليه، وسنداً للإعمار لا عنواناً لفقدان الكفاءات.
مشاركة الخبر علي :