بقلم د. سعاد فقيري بين طبول الحرب وطبول السلام... أي رسالة يريد السودان أن يبعثها للعالم؟
في الوقت الذي ما زالت فيه أصوات المدافع تدوي في أجزاء واسعة من السودان، وما زالت آلاف الأسر تبحث عن مأوى، وملايين المواطنين يعيشون مرارة النزوح والفقد والحرمان، وصلتنا صور ومشاهد لمشاركة سودانية في مهرجان الطبول الدولي بالقاهرة تحت شعار "حوار الطبول من أجل السلام".
لا أحد يختلف حول أهمية الثقافة، ولا حول الدور العظيم الذي يمكن أن تلعبه الفنون في بناء الجسور بين الشعوب ونشر قيم التسامح والسلام.
كما أن التراث النوبي والسوداني يستحق أن يُعرّف به العالم في كل المحافل الدولية.
ولكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل هذا هو التوقيت المناسب؟
إن المفارقة المؤلمة ليست في الطبول ذاتها، وإنما في المشهد السوداني كله. ففي الوقت الذي كانت فيه الطبول تُقرع احتفالاً بالسلام في الخارج، كانت طبول الحرب ما تزال تُقرع في الداخل. وبين الإيقاعين تقف ملايين الأرواح السودانية معلقة بين الأمل والألم.
كنت أتوقع، وربما يشاركني كثيرون هذا الشعور، أن تتخذ المؤسسات الثقافية السودانية موقفاً رمزياً مختلفاً، ليس رفضاً للفن، وإنما تعبيراً عن الحداد الوطني الكبير الذي يعيشه السودان.
كنت أتوقع أن تُرفع في المحفل الدولي صور الأطفال الذين حُرموا من مدارسهم، وصور الأمهات اللائي فقدن أبناءهن، وصور المدن التي تحولت إلى أطلال، وأن تكون المشاركة رسالة استغاثة للعالم قبل أن تكون عرضاً فنياً.
فالعالم اليوم لا يحتاج فقط إلى أن يسمع إيقاع الطبول السودانية، بل يحتاج أيضاً إلى أن يسمع أنين السودان.
كان يمكن أن تتحول المشاركة إلى منصة للتعريف بالمأساة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها الشعب السوداني، وأن يُخصص جزء من البرنامج للحديث عن معاناة النازحين واللاجئين، وعن الحاجة الملحة للسلام وإعادة الإعمار. عندها كانت الطبول ستؤدي دورها الحقيقي كوسيلة للتعبير عن وجدان الشعب، لا مجرد فقرة فنية ضمن برنامج احتفالي.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول إن المشاركين ربما أرادوا إيصال رسالة مختلفة، مفادها أن السودان ما زال حياً رغم الحرب، وأن ثقافته أقوى من محاولات التدمير، وأن الفن يمكن أن يكون سلاحاً في مواجهة الكراهية والعنف. وهي رسالة نبيلة بلا شك.
لكن يبقى السؤال قائماً: هل وصلت هذه الرسالة إلى العالم كما أراد أصحابها؟ أم أن العالم رأى فقط فرقة فنية تؤدي عرضاً تراثياً، بينما غابت عنه حقيقة الجرح السوداني النازف؟
إن الشعوب التي تمر بالكوارث الكبرى تحتاج أحياناً إلى أن تصرخ قبل أن تغني، وأن تروي مأساتها قبل أن تقدم فنها. فالفن في أوقات المحن لا يفقد قيمته، لكنه يكتسب قيمة أكبر عندما يتحول إلى صوت للضحايا ولسان حال المنكوبين.
ما بين طبول الحرب في الداخل وطبول السلام في الخارج، يظل السودان محتاجاً إلى إيقاع ثالث، إيقاع الحكمة والضمير الوطني، الذي يوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية، وبين الوفاء لآلام شعب ما زال يدفع ثمن الحرب كل يوم.
فالسلام ليس أغنية تُغنى فقط، ولا طبلاً يُدق في مهرجان، بل هو حق ينتظره شعب كامل أنهكته المأساة، ويتطلع إلى اليوم الذي تتحول فيه كل طبول السودان إلى إيقاع واحد... إيقاع الحياة.
مشاركة الخبر علي :